اليوم، فصل جديد في دعوى إلغاء قرار منع النساء من السفر إلى السعودية دون تصريح    مظاهرات حاشدة في ألمانيا تطالب باستقالة المستشار ميرتس    واشنطن تحذر مواطنيها في بريطانيا بعد رفع مستوى التهديد الإرهابي    حياة كريمة.. المبادرة الرئاسية تستهدف تغيير تفكير وسلوك المواطن المصرى    ترامب: أعدنا سفنًا إيرانية إلى الأماكن التي جاءت منها في مضيق هرمز    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    مقتل 12 شخصًا بغارات إسرائيلية جنوب لبنان رغم الهدنة    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    كبيرة الديمقراطيين في الشيوخ الأمريكي: إعلان ترامب انتهاء الحرب "لا يعكس الواقع"    واشنطن توافق على مبيعات عسكرية للإمارات بقيمة 147.6 مليون دولار    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    ترامب يعتزم توسيع الحصار البحري على إيران وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص مقال حرق "جارة القمر" في الثمانين
نشر في البوابة يوم 20 - 12 - 2015

خبطة صحفية قاتلة.. رئيس تحرير مجلة متوقفة عن الصدور يهزّ الشارع اللبنانى بغلاف صادم، وقاسٍ، يعصف بالرموز، وربما نحن ننتمى لمدرسة واحدة لا تصنع تماثيل من عجوة، ولا تركع لأشخاص، وتحطيم الأصنام بالنسبة لهم غواية لذاتها، وليس لأن أحدهم ارتكب جرمًا أو إثمًا عظيمًا، هي مدرسة لا يملأ عينيها التراب.. هذه تحية عابرة للحدود للزميل حسن صبرا، ساكن إحدى البقع المفخّخة في بيروت.
«صبرا» أصدر عددًا من مجلة «الشراع» اللبنانية - محدودة التوزيع حاملًا مانشيت: «ما لا تعرفونه عن سفيرة لبنان إلى النجوم: فيروز عدوة الناس وعاشقة المال والويسكى ومتآمرة مع الأسد».
لم يكن لديّ شك في أن فيروز، جارة القمر، تحب حافظ وبشار الأسد، ستقول: وهل التي غنت «قدّسوا الحرية حتى لا يحكمكم طغاة الأرض» يمكن أن تستسلم لهوى ديكتاتور دموى بشع يقتل شعبه ويطلب كل صباح المزيد من الدم؟.. سأقول: نعم، ولماذا لا؟.. زياد الرحبانى قال في حوار مع مجلة لبنانية إن والدته معجبة بزعيم النازية، أدولف هتلر، والعقيد معمّر القذافى، والديكتاتور السوفيتى ستالين، والزعيم المصرى جمال عبدالناصر، ولا تخفى غرامها بحسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله.
لا تريد فيروز أن تقتحم مساحات سياسية، فالسياسة تأكل من مساحة الفنان عند جمهوره، وهى ليست على استعداد لخسارة حصة من جمهورها من أجل حسن نصر الله، أو «الأسد»، بعض الفنان يحبون ذلك، يعكسون في أعمالهم وأغنياتهم تجارب حياتهم، وآراءهم ومواقفهم، يغنون للرؤساء والزعماء وأصحاب السيادة والكرامة. فيروز لا. لا تضيع صوتها في وقائع حياتها وما تراه، إنما في ما تشتهى أن تراه، وتعيشه.
تتداعى أمامى الآن مشاهد الغضب على الشاعر أدونيس حين أعلن عداءه للثورة السورية، ومحبته لبشار الأسد، لديه وجهة نظر، الرجل يكره اللون الأسود، والجماعات الدينية، وزمجرة المدافع، يقف في معسكر الأقلّ إجرامًا من وجهة نظره أمام الأكثر قتلًا وحبًا للقتل وكرهًا للحياة.
الموقف بالنسبة لبعض الفنانين ومنهم فيروز ليس سياسيًا أو إنسانيًا، إنما موقف شخصى بحت، رحيل بشار يعنى ضربة قاضية للفن والطرب والغناء والتمثيل والحياة كلها.
ليس عيبًا أن تدعم «فيروز» حافظ الأسد، إن كانت تدعمه، لكن الصحفى حسن صبرا كان مضللًا حين قال: «المتآمرة مع الأسد» لسبب تافه، وهو: كيف تتآمر مطربة مع رجل ميليشيات وعصابات يحكم بالرصاص والكرابيج ولا يعترف بالموسيقى؟
حسن صبرا - نفسه - يمكن أن يضبط متلبسًا في «بار» وسط بيروت، يسكر، ويعبّ الخمر من الليل حتى الصباح، ولا أحد يلومه.. لماذا؟.. لأنه لم يقدّم نفسه كراهب أو شيخ يحرم على الناس الشرب.
فيروز مطربة لا أكثر.. ليست قديسة.. فلماذا لا تشرب الخمر وتدمن الويسكى من نوع «تشيفزريجا» بشكل خاص؟
عداوة الناس؟ تهمة غير منطقية.. سيدة أضاعت 60 عامًا من عمرها في إسعاد الناس حتى تحوّلت إلى إكليشيه لا يمرّ الصباح في مصر بدونه، صورة البنت التي تشرب القهوة وتسمع «يا مرسال المراسيل ع الضيعة البعيدة»، وتدندن، وتحاول أن تستطلع شروق الشمس. فيروز دون أن تدرى حولت صباحات الناس إلى رقص ومزيكا بعدما كانت ممتلئة بأخبار القتل والدمار وبرقيات التعازى.
فيروز تحبّ الوحدة، ليست عدوة الناس، تهوى العزلة، لا تحمل كراهية لأحد.. وإذا كانت تكره الناس فالناس لا يستحقون المحبة من الأساس! «البوابة» تعيد نشر مقال حسن صبرا المثير للجدل في «الشراع» اللبنانية، ليس اقتناعًا منّا بأنه على حق، ولكن لأن فيه معلومات قد تحتمل التكذيب أو تكون صحيحة، وكل ما في الأمر أن البعض أخذها على محمل الإهانة. ليس عيبًا أن تعشق فيروز بشار الأسد، أو تشرب الويسكى، أو تحب الوحدة.. ولو كره الكارهون.
نص المقال الأزمة
فيروز.. عدوة الناس وعاشقة المال والويسكى ومتآمرة مع الأسد
الإنسانة نهاد حداد، فيروز عاشت التناقض الإنسانى بكل مضامينه.
«تربية جدية».. دراسة أولىة، باتت تقرأ وتكتب، التحقت ب«إذاعة الشرق الأدنى» البريطانية كواحدة من عناصر الكورس مع نصرى شمس الدين وعاصى الرحبانى وآخرين، وأثناء عملها أعجب بها عاصى القادم من سلك الشرطة المحلية، وتزوجها، (شقيقه منصور كان أيضًا شرطيًّا محليًّا، وشكل مع شقيقه الثنائى الأخوين رحبانى، كتابة أغانى فيروز وتلحينها).
الفتاة التي دخلت مضمار الفن بما يعنيه من أحاسيس مرهفة، واختلاط بالناس الكثر والوقوف أمام العشرات ثم المئات ثم الآلاف، كانت تخاف من الناس كثيرًا، إلى درجة العزلة عنهم، فليس لفيروز طيلة 60 سنة بعد دخولها مضمار الفن أصدقاء فهى كما يظهر من قسمات وجهها الجافة، جافة أيضًا مع الناس، لم تصادق أحدًا إلا ما ندر، ولم يعرف من صداقاتها، إلا نساء كانت تتكلم مثلهن على العلاقة معهن.
«فيروز» التي حصلت على مال كثير، لم تفعل خيرًا في حياتها، «بخيلة» نعم، وتحب المال بشغف شديد، ترفض أن تغنى في أي مناسبة يعود نفعها لأى مؤسسة اجتماعية، وتشترط أن تقبض سلفًا مقابل الغناء في أي مناسبة، وعندما اشتهرت وباتت مطلوبة مع فرقتها الكبيرة، كانت تتمنع عن حضور أي حفلة خيرية، فيرسل عاصى ومنصور الفرقة كلها، إلى هذه الحفلة ليحصل عناصرها على أجورهم، ويستعيض الإخوان رحبانى عن فيروز بالمغنية (جورجيت صايغ) التي تغنى أغنيات فيروز الغائبة لأنها لن تقبض أجرها المرتفع.
كان الفنان المبدع فيلمون وهبى صديق الرحابنة وزميل الهانم الجميلة، ركنًا من أركان مسرحيات الأخوين مع فيروز، طلبها مرات كى تغنى مع فرقتها في بلدته كفر شيما، كان في تقليد يريد فيه تكريم أهل البلدة المارونية، وفى كل مرة كانت ترفض، لأنها كانت تعرف أن الحفلة مجانية، ولن تحصل على المال فيها.
حتى عندما كان رئيس الجمهورية فؤاد شهاب يرعى حفلات مجانية للجيش اللبنانى، ويطلب حضور فرقة الأخوين رحبانى لتقدم إحدى مسرحياتها لعناصر الجيش وضباطه، كانت الفرقة كلها تحضر وتحصل على أجورها.. ومنهم إيلى شويرى وجوزيف عازار وملحم بركات بغياب فيروز، التي كانت تشترط الحصول على المال في حفلة مجانية.
كلفت أخاها إلياس أن يقبض مال حفلاتها، فاحتفظ لنفسه بمواردها فاتهمته بالسرقة فهاجر إلى أمريكا بعدها.
لم تحب فيروز الصحافة ولا الصحفيين ولا الإعلام، ولا تحمل صفحات أي مجلة فنية أو سياسية أو إذاعة، أو محطة مرئية أرضية أو فضائية، حوارًا أو مقابلة مع فيروز، وتحتفظ إذاعة للبرنامج العام في القاهرة بحوارات مسجلة مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والأخوين رحبانى في منزل عاصى وفيروز في لبنان، ويستمع الناس إلى أصوات الرجال الثلاثة ويغيب صوت فيروز رغم أن الحوار مسجل في منزلها.
«ملتزمة بيتها».. رفيقها الدائم هو كأس الويسكى من نوع «تشيفزريجا» أعجبها عندما شربته في إحدى زياراتها لأمريكا حتى أدمنته ليلًا ونهارًا، هربًا من مشاكلها لتنسى ما تعانيه مع عاصى الرحبانى وأولادها، وكم كانت بخيلة على نجلها زياد رغم أنه كان ابنها المدلل.
«مزاجية.. عصبية» شريكها في هاتين الصفتين هو نفسه شريك حياتها عاصى، العصبى المزاج الشرس إذا غضب، كثيرًا ما بهدَل فيروز، وضربها وشتمها، وما كان يعطيها المال الذي تربحه لتشترى فساتين لائقة لتظهر بها أمام الناس. ومع هذا، كان يطلب ممن حوله إذا شاهدوها عصبية تصرخ أن يتركوها لشأنها وألا يقتربوا منها، مرددًا: (الله يخليكم لا تزعلوا فيروز)، وكم كانت فيروز تخاف عاصى، وتتجنبه حين يغضب، لأنها ذاقت معه الأمرّين في غضبه وعصبيته، وهو أحبها كثيرًا، لكنه خانها أكثر، وكانت فيروز تعلم أنه أغرم بكثير من فتيات الفرقة، لكنها ما كانت تجرؤ على مواجهته، لأنه كان جبارًا قاسيًا، لكنها عاقبته بطريقتها، كما تعاقب أي امرأة رجلها دون أن يدرى.
«مزاجها مزعج».. حتى لمن تعرفهم ويعرفونها، إذا اتصل أحدهم بها هاتفيًّا، ترفع السماعة وتنتظر سماع صوت من يطلبها، وكثيرًا ما كان الطالبون يعرفون عن أنفسهم بالقول: (يا ست فيروز أنا فلان)، قد ترد مرة، وقد ترفض الرد مرات، مكتفية بإطباق السماعة على قفلها. «فيروز الجافة لم تُقم علاقة مع الناس».. كانت ذات دمعة سخية، ما تركت المسرح مرة بعد انتهاء وصلة غنائها إلا باكية، أحيانًا وهى تغنى، وكثيرًا ما بكت بعد إنهاء وصلة حفلتها، وكانت تسارع إلى غرفتها تقفل بابها بالمفتاح وتنفرد بنفسها تبكى، ولا يجرؤ أحد على قرع بابها، ويتجنب عاصى الاقتراب منها إلى أن تعود إلى حالتها الطبيعية.
قابلتها لأول مرة وآخر مرة في مايو 1992 في منزلها في الرابية، وقد اصطحبنى إلى لقائها صديقى حسين يتيم، سألتها وصديقى عن سبب انقطاعها عن الغناء، فردّت أنها لن تغنى في مكان مقفل يسع لمئات بل تريد الغناء أمام الآلاف، قال لها صديقى حسين: إنه «مستعد أن يرتب لها الفنادق في صور في ملعبها التاريخى الذي يسع لأكثر من ثلاثين ألف إنسان، فرحبت وطلبت منه متابعة هذا الأمر، وكان صديقى يومها مستشارًا سياسيًّا لرئيس حركة أمل الوزير نبيه برى (أصبح رئيسًا لمجلس النواب منذ أكتوبر من العام نفسه وحتى الآن)، وانشغل صديقى بترتيب الحفلة الغنائية، لكنها لم تتم لأن فيروز ما عادت ترد على اتصالاته. ومن جهتى سألتها عن ألحان الموسيقار الكبير رياض السنباطى الذي أعدها لها لتغنيها ولم تسجلها رغم أنها حفظتها معه، فتجاهلت الأمر.
سألتها هل تمانعين إذا أعد لك محمد الموجى لحنًا لتغنيه فقالت بالعكس يا ريت.. هذا الفنان موهوب جدًّا، سألتها إن كنت أستطيع مفاتحته بالتلحين لها.. فرحبت بحرارة.. قلت لها: سيدة فيروز أنا ذاهب بعد عدة أيام إلى الحج وبعد عودتى، سأسافر مطلع الخريف إلى القاهرة لأتصل بالأستاذ الموجى وأعرض عليه الأمر لأحصل على موافقته.
ويشهد الله أن نيتى كانت أن أستضيف الموسيقار العبقرى محمد الموجى في بيروت على حسابى (تذكرة سفر وإقامة وضيافة) إلى أن يتفق مع فيروز.
كنت فرحًا كثيرًا، وتوجهت إلى القاهرة في أكتوبر 1992، ورتب زميلى مدير مكتب (الشراع) في القاهرة صقر بدرخان موعدًا لى مع الأستاذ الموجى، وقابلته وعرضت عليه الفكرة.. فرحب بها كثيرًا سعيدًا بأن تغنى فيروز من ألحانه، عدت إلى بيروت فرحًا أكثر.. اتصلت بفيروز هاتفيًّا، ردت عاملة في منزلها على الهاتف.. جاءت ابنتها (ريما) كلمتنى بجفاء شديد كأننى أشحذ منها، قلت لها ما حصل سابقًا مع فيروز والموجى.. قالت: طيب. قلت لها وقد استفزنى جفاؤها بل قلة ذوقها: على كلٍّ سجِّلى رقم هاتفى وأنا في (الشراع)، ويمكن الحصول على أرقامى وأقفلت سماعة الهاتف وأنا في حالة غضب.
وفى فبراير كنت في الرياض لحضور مهرجان الجنادرية، قابلت الموسيقار الموجى وكان مدعوًّا ضيفًا على الأمير بدر بن عبدالعزيز، سألنى: فين فيروز يا صديقى.. شرحت له ما حصل، استغرب قائلًا لى بالحرف: أنا أسمع كثيرًا عن مزاج فيروز وعصبيتها.. مالهاش نصيب معايا.
بهذه المزاجية تعاملت فيروز مع عبقريين في الموسيقى العربية رياض السنباطى ومحمد الموجى، وإن كانت غنت لعبقريين آخرين هما سيد درويش (زورونى كل سنة مرة.. وشط إسكندرية يا شط الهوا) ومحمد عبدالوهاب (يا جارة الوادى، وخايف أقول إللى في قلبي).
عام 1993 كان الرئيس رفيق الحريرى يريد النهوض بالوسط التجارى لمدينة بيروت، بعد أن دمرته الحرب الأهلية (1975-1989)، فعمد إلى بناء جامع للمسلمين في ضفتها الغربية والمسيحيين في ضفتها الشرقية، ووجد أن الفن أفضل طريق وأن فيروز ستكون رمزه، فاتفق معها على إحيائها حفلة مقابل 300 ألف دولار دفعها لها، ويكون الحضور فيها مجانًا لعشرات الآلاف من البيروتيين. وكانت فيروز تجرى تجارب لأغانيها كل يوم، وبعد ظهر كل يوم تقريبًا في مسرح أعد على عجل في الوسط التجارى. عاد الحريرى في أحد الأيام من إحدى سفراته الكثيرة وطلب من سائقه التوجه من المطار إلى الوسط التجارى ليحيى ويطمئن على إجراءات الحفل، وصل الحريرى مكان المسرح وجلس خارجه مع أصدقاء، طالبًا إبلاغ السيدة فيروز أنه يريد تحيتها بعد انتهاء تمارينها، فقالت: بل «أنا سأذهب إليه أنا سأنزل إليه بعد انتهاء البروفة»، انتظر الحريرى عشر دقائق بعد صمت العزف الموسيقى.. متوقعًا مجيء فيروز، ليفاجأ بأحد مرافقيه يبلغه أن فيروز غادرت من الباب الخلفى للمسرح المقام في الهواء الطلق.. دون وداع أو اعتذار، صدم رئيس الوزراء وعاد إلى داره حائرًا، ومع هذا أقيمت الحفلة وغنت فيروز بعد أن قبضت ال300 ألف دولار عام 1993.
كانت علاقة فيروز والأخوين رحبانى أكثر من ودية مع حافظ الأسد في سورية، فقد كان الثلاثة ضيوفًا دائمين مع فرقتهم لسنوات في معرض دمشق الدولى، وكانت فيروز تغنى في مسرحياتها ل20 يومًا متتالية في حفلات كاملة الحضور أمام الجيش السورى وأجهزة الأمن وضيوف الرئيس وأعضاء الحكومة والنواب، وفى كل مناسبة للمعرض الدولى كان حافظ الأسد يستقبل فيروز والأخوين رحبانى، وقد قدم في أحد استقبالاته لهم سيفًا دمشقيًّا مرصعًا بالذهب لفيروز وقدم مسدسين مذهبين لعاصى ومنصور، وعندما مرض عاصى تولى حافظ الأسد الإنفاق على علاجه، فكان الثلاثة شديدى الوفاء لسياسة حافظ الأسد القاهرة ضد لبنان وأهله لثلاثين سنة تلت.
غير أن أخطر وقائع العلاقة بين الأخوين الرحبانى وفيروز مع السياسة السورية هو ما رواه ابن فيروز وعاصى، الفنان زياد الرحبانى، عندما أطل على محطة مرئية لبنانية، وروى أن أمه وأباه كانا يستقبلان ضباطًا سوريين عسكريين وأمنيين في منزلهما في الرابية شمالى بيروت، وكان ضباط الجيش السورى في منزل فيروز وعاصى الرحبانى يضعون الخطط العسكرية لإسقاط مخيم تل الزعتر الفلسطينى المحاصر من الجيش السورى والميليشيات المسيحية (كتائب.. أحرار) أثناء تبادل قرع كئوس الويسكى وحول مائدة طعام عامرة تعد لها فيروز وطباختها.
وفى النهاية سقط مخيم تل الزعتر بعد قتل المئات من سكانه وشرد الآلاف في 12/8/1976، وتم جرفه بالكامل ليقام مكانه مبان سكنية بعد تهجير كل سكانه من فلسطينيين ولبنانيين مسلمين. لقد كان حافظ الأسد كريمًا جدًّا مع فيروز والأخوين رحبانى.. فرد هؤلاء كرمه بموقف أكثر كرمًا في السياسة، لكنه على حساب دماء آلاف اللاجئين الفلسطينيين. يبقى أن نختم بأن الشاعر الكبير سعيد عقل كان يعشق فيروز عشقًا روحيًّا، ومن أجل هذا العشق كان يكتب قصائد تغنيها فيروز، بعضها يشير إلى أنها من تأليفه وكثير منها غنتها فيروز على أنها من كلمات الأخوين رحبانى، ولم يكن سعيد عقل الوحيد الذي تبرع للأخوين رحبانى بهذا الإيثار، بل إن أمير الشعراء الأخطل الصغير (بشارة الخوري) تنازل عن وضع اسمه على قصائد أعطاها للأخوين رحبانى فنسباها لهما، والأخطل الصغير كان قريبًا لهما وهو كان متزوجًا من إحدى قريبات الأخوين رحبانى، وعند هذا الحد نسكت عن المباح وغير المباح من الكلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.