تزخر الحياة الفنية في مصر بالكثير من النماذج الراقية والعلامات المضيئة والتي أثرت مختلف جوانب الحركة الفنية ليس في أرجاء البلاد فحسب بل في الدول العربية أيضا، وأسهمت بذلك في التقارب بين شعوبها... فنجد الأشقاء في تونس، على سبيل المثال لا الحصر، يعشقون العندليب الراحل عبد الحليم حافظ ويتغنون بما قدمه من أغان، مستمتعين بأروع ألحانه والتي كانت تعبر عن الرومانسية وعن الثورة. فالعندليب الأسمر امتاز بالذكاء، فضلا عن موهبته الفطرية التي منحه الله إياها، فهو لا زال "مطرب الشباب" حتى وقتنا هذا دون مراء ودون منازع، وذلك على حد وصف مواطن تونسى يدعى، لطفى بن ناصر، صاحب متجر للأثاث. ويستطرد "بن ناصر" حديثه لمراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط بتونس قائلا "عبد الحليم جاء في وقت شهد العديد من الأصوات الجميلة مثل محرم فؤاد وفريد الأطرش (الذي سبقه بنحو 10 سنوات على الساحة الفنية) ومحمد رشدى وكارم محمود وغيرهم ولكن العندليب كان يمتاز بالذكاء في اختيار أغانيه وألحانه.. أما الآن بكل أسف لا نجد مثل هؤلاء العمالقة...". وكان عبد الحليم قد قام بزيارة إلى تونس، فكان من أحد أحلامه هو الغناء في "تونس الخضراء" وزيارة معالمها السياحية وفي شهر يوليو عام 1968 تحققت له تلك الأمنية ووجهت إليه الدعوة للغناء في ربوعها ومشاركة الشعب فرحته بأعياد تونس الوطنية، وتابعت الصحافة والتليفزيون التونسي حينذاك حليم خطوة بخطوة، وسجلت فيلما وثائقيا لتلك الرحلة، وأجري معه التليفزيون التونسي حوارات وكذلك مع الموسيقار بليغ حمدي الذي رافقه. وعبّر حليم، خلال لقاء تليفزيونٍى، عن اعتزازه بالجمهور التونسي الذي أحب أغنياته قبل أن يلتقيه وجها لوجه، وفي هذه الرحلة ارتدي حليم وهو يغني "الجلباب التونسي" وغني أيضًا عددا من الأغنيات لأول مرة وهي "الويل.. الويل" و"يا مولعين بالسهرة". ولا يكاد يمر بعض الوقت حتى نرى الشباب في الطرقات يتغنون بأروع ما قدم العندليب وخاصة "زى الهوى" (كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدى) وقارئة الفنجان (كلمات نزار قبانى وألحان محمد الموجى). ويضيف بن ناصر أن "تلك الفترة كانت كل الدول متأثرة بقومية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وبقوته وبصوت العندليب "ابن الثورة" كما كان يقول.. ويشاركه الرأى كل من سائق أجرة يدعى، "محمد ب. ع" وموظف في إحدى البنوك ويدعى "رأفت.ك." (في العقد الثالث من العمر) ويقولان إن العندليب وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب من الثروات التي لن تعوض، أما في مجال السينما فيعشقان النجم المصرى عادل إمام وأحمد راتب (وخاصة في مسرحية الزعيم) والراحل سعيد صالح، وخاصة في فيلم "سلام يا صاحبى" ومحمود عبد العزيز في رائعته "رأفت الهجان"... وأضافا أن الزعيم عادل إمام قدم العديد من الأفلام والأعمال التليفزيونية المهمة والتي تناولت قضايا وطنه مثل "دموع في عيون وقحة" و"أستاذ ورئيس قسم" و"طيور الظلام" و"الإرهاب والكباب" و"الإرهابى" وغيرها. وكانت مصر في عصرها الذهبى يطلق عليها "هوليود الشرق" نظرا لوجود هذا الكم الهائل من العمالقة في مجالي الغناء والتمثيل.. واستطاع الفن أن يجمع بين الشعوب العربية، فكان حائط الصد أمام محاولات الاستعمار للتفرقة بين العرب.