دائما أكرر لأي كائن يظن أنه فريد من نوعه وأن الدنيا لن تسير إلا به "لا تنسي أنك من تأليف غيرك، لأنك بفرديتك لن تكبر كثيرا، بل ستصير صغيرا فوق ما تتخيل".. ولأني أعيش في بوتقة القاهرة التي تغلي منذ عقود، وشربت مع عموم المصريين كأس الهزيمة ببطء منذ أن تفكك الوطن العربي بمفك دبلوماسي شديد الذكاء اسمه هنري كسينجر، هو من قاد رحلة تفكيك العالم العربي كأن هذا التفكيك هو العربون الذي قدمه السادات كمهر للعلاقات المصرية الأمريكية، وطبعا فرحت أمريكا بالمهر ولم تكتم فرحتها بل راحت عبر رجل اسمه ويليم سايمون وكان وزير خزانة نيسكون، راحت الأمة العربية تطبق نصيحة سايمون بمزيد من استهلاك ورفاهية الدول البترولية، وألا يتم الاستثمار في مصر إلا في أقل الحدود، بل لتصل الأمور في يناير 1977 إلي حد انتفاضة جوع قاهر انفجرت بالقاهرة المحروسة، فتزلزل بها السادات، وفكر في أن مقولة "الدم العربي ليس أغلي من البترول العربي" هي مقولة للاستهلاك، أما الواقع فهو تنفيذ قرار ويليم سايمون بأن يظل فم مصر تحت الماء أما أنفها فلا مانع من أن يوجد فوق الماء.. وطبعا كان علي السادات أن يقدم مبادرة زيارته للقدس لتأتي كامب دافيد، وليتم قتله بعدها وهو في يوم احتفاله بانتصاره التاريخي، وواصلت اللعبة الغربية مع مصر والعالم الغربي مصيرها، فتم تشجيع جماعات التأسلم السياسي كي تخوض الولاياتالمتحدة حربها في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييي بدم عربي مسلم، وعندما فرغت اللعبة انتبه المتأسلمون للخديعة، فكانت حادثة الحادي عشر من سبتمبر ليسقط برجا التجارة العالمية بنيويورك، ولنعيش من بعد ذلك في نفخ الغرور عند صدام حسين فيهجم علي الكويت، ثم يأتي احتلال العراق سريعا، وتأتي رعاية الولاياتالمتحدة لقوي التأسلم سواء في المشرق العربي أو المغرب العربي، ولأن حكام مصر وليبيا وتونس قد ترهلوا من فرط سرقة شعوبهم واستنزافهم، لذلك كان من السهل سقوطهم من حالق تحت أقدام جماهيرهم، ولكن ماذا بعد؟ هذا السؤال القاسي الذي بحثت عنه في عيون كل من أعرف فلم أجد اتفاقا علي منهج واحد، بل وفقدت في طريق بحثي، هذا الصديق الذي صعدت روحه إلي خالقها وهو منصور حسن، وكان وحده القادر علي تجميع إيجابيات كل الفرقاء، ولكن التحزب والطمع في السلطة جعل الجميع أقزاما غير قادرين علي التوافق . هنا كان لابد من إجازة، فأخذت الطائرة إلي واشنطن لا لأناقش البيت الأبيض في مسألة تدخله اليومي في أمور المحروسة، ولكن لألتقي بصديقي دارس الفلسفة والإنسان الراقي د. فؤاد بشاي ميخائيل ونرحل معا إلي فلوريدا لنلتقي بالرسام الفنان بسمي ميلاد، وكأن الزمن قد عاد بنا إلي أيام حيرتنا القديمة بعد هزيمة يونيو، لعلنا نستعيد قدراتنا علي رؤية إجابات جديدة لسؤالنا الذي احتل كل سنوات العمر.. ماذا بعد؟ عذرا قارئي العزيز، عندما أقول لك إن كاتب هذه السطور غير قادر علي معرفة إجابة للسؤال الصعب "ماذا بعد؟" ولتقبل عزيزي القارئ اعتذاري لقيامي بإجازة وسط انتظارك لأي إجابة تملأ القلب ببعض القبول، إجابة السؤال القاسي "وماذا بعد؟".