أسئلة من العديد من القراء تطلب التعليق علي الحملة التي ترفعها بعض أجنحة المعارضة بعنوان "ما يحكمش" والتي تقف ضد فكرة التوريث في الرئاسة. والواقع انني لا أجد عنوان الحملة مشجعا بقدر ما هو عنوان يخلو من المنطق في لعبة السياسة ويفرض نوعا مسبقا من الوصاية علي فكر الجماهير التي من المفترض انها صاحبة القرار والتي يمكن أن تختار وحدها من يحكم ومن لا يحكم، كما أن الشعار نفسه لا يتسم بالجاذبية ولا بالجدية ولا يتسم مع خطورة وأهمية الحملة التي ترفع هذا الشعار.. وبعض السياسيين اختصروا أيضا كل قضايا هذا الوطن في شخص الرئيس، وكأن الرئاسة هي كل القضايا معا، وكأن المفروض أننا بلا وعي أو قيمة وكل ما علينا هو أن ننتظر القرارات والتوجيهات التي تحدد مسارنا ومستقبلنا من شخص واحد فقط. فالقضية الأهم والتغيير الذي نبحث عنه لا يتمثل في القمة وحدها بقدر ما هو تغيير يجب أن يشمل كل مؤسسات وقطاعات المجتمع وأفراده. فالشعوب الناضجة الحريصة علي المشاركة السياسية وأداء دورها الاجتماعي هي التي تفرض القرار وتصنعه وتتأكد من تنفيذه، والرأي العام الجماعي المستنير هو الذي يراقب ويمنع أي انحراف أو فساد، لأنه مهما كانت السلطة مخلصة أو وطنية فإن الفساد يجد طريقا سهلا إليها إذا كان المناخ والبيئة مناسبين لذلك وإذا ما عجزت مؤسسات المجتمع المدني عن السمو فوق المصالح الضيقة إلي مصالح الوطن العليا. فنحن قد أدمنا الخطأ والفوضي والاستهتار بالقانون وبقيمتنا أيضا وأصبح كل واحد فينا يعتقد أنه علي حق وصواب وأن الباقين علي خطأ، ونسي كل واحد منا مسئولياته الاجتماعية وواجباته واستراح ضميره بإلقاء المسئولية علي الآخرين وتوجيه اللوم علي الحكومة باعتبارها الهدف الأسهل في أي قضية. ومع تسليمنا الكامل بأن الحكومة كانت عاجزة بوضوح عن التصدي لحل المشكلات الجماهيرية وقضايا الفقر والمرض والتعليم بالكفاءة المطلوبة إلا أننا أيضا شركاء في هذا الاخفاق وفي التدهور الذي أصاب المجتمع في الكثير من المجالات. فماذا تفعل الأجهزة المرورية الحكومية وحدها أمام أم القضايا التي أحالت حياتنا إلي نوع من الرعب والعذاب وهي الأزمة المرورية والفوضي في الشارع المصري، وهل بإمكان هذه الأجهزة أن تقنع قائدي السيارات بأن عليهم الحفاظ علي أرواحهم وسلامة الآخرين إذا لم يكن هؤلاء لديهم الاستعداد لذلك.. اننا ندخل معارك مرورية كل يوم حتي نصل إلي بيوتنا وأعمالنا، ولا يرحم كل منا الآخر ونتسابق للمرور حتي وان كان الثمن هو التضحية بالآخرين. ونحن ننشر بأنفسنا العديد من الأمراض الوبائية الخطيرة في المجتمع نتيجة لتقاعسنا عن اتخاذ أبسط إجراءات النظافة العامة أو حماية البيئة. ونحن نحرق قش الأرز لنخنق أنفسنا مع أننا نعلم خطورة ذلك ورغم أن الدولة وفرت طرقا للتخلص منه ونحن نتسابق في "الفهلوة" وعدم اتقان العمل فيأتي انتاجنا ضعيفا لا يلبي احتياجاتنا وغير قادر علي الصمود أمام المنتجات الأجنبية التي تتسم بالدقة والجودة. وفي كل المجالات نحن نحاول دائما أن نجد "الشماعة" التي نعلق عليها أخطاءنا وسلبياتنا فلا نجد إلا الحكومة مع أن كل واحد فينا لو قام بواجبه علي أكمل وجه لا نصلح حال المجتمع ولما كنا في حاجة إلي الحكومة لأن الحكومة ما هي إلا جهاز تنفيذي يضع سياسات وخطوطا عامة هي من الناحية النظرية قد لا يكون هناك غبار عليها، أما التطبيق الذي هو مسئوليتنا جميعا فتشوبه الكثير من العيوب والاخطاء. إن الإصلاح والتغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من القاعدة ليزيح من طريقه كل عناصر الفساد واستغلال السلطة والنفوذ وهذا الإصلاح يبدأ بعودة الضمير الغائب والتمسك بالقيم والمبادئ والدين أما أن نتخلي عن دورنا ومسئولياتنا الاجتماعية ونتفرغ للحديث عن شخص الرئيس القادم وترديد أسماء هنا وهناك فإن هذا هو نوع من ضياع الوقت ونوع من التهريج والإثارة الإعلامية التي لن تصل بنا إلي شيء، لأن طريقة الانتخابات الرئاسية محددة وفقا للدستور وكل الأسماء المطروحة لا أمل ولا فرصة لها في ظل التركيبة الانتخابية القائمة.. وكله يعلم هذا..! [email protected]