علي الرغم من أن رحيل الكاتب الكبير والمفكر المرموق د. محمد السيد سعيد كان متوقعا بين يوم وآخر، فإن خبر وفاته حين حدثت فعلا كان وقعه ثقيلا وموجعا علي نفوس اصدقائه ومحبيه وزملائه وكل العارفين بقيمته.. فقد خسرت الصحافة والحياة الفكرية والثقافية والدراسات السياسية والاجتماعية المصرية والعربية برحيل محمد السيد سعيد، علما من اعلامها البارزين.. بينما كان عطاؤه الخصب في ذروة توهجه.. وخسر اصدقاؤه وزملاؤه نموذجا رائعا للانسان الطيب المهذب ذي الاخلاق الرفيعة، والمثقف الذي تنسجم افعاله مع اقواله، والملتزم بعمق بقضايا وطنه وشعبه، والمناضل المخلص من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتقدم الانساني. كان د. محمد السيد سعيد نموذجا للمثقف والمفكر الموسوعي الذي يقرأ بنهم شديد في عديد من فروع المعرفة من الاقتصاد الي العلوم السياسية والاستراتيجية ومن التاريخ الي الفلسفة وعلم الاجتماع والأدب والفن والتراث.. ويكتب في ذلك كله كتابة المتخصصين المحترفين.. والواقع انه قلّما عمل احد من ابناء جيله علي بناء نفسه علميا ومعرفيا بتلك الجدية الصارمة التي كان الراحل العزيز يأخذ نفسه بها. والأهم انه كان كاتبا ومفكرا مبدعا، يحاول دائما البحث عن حلول جديدة وخلاقة للمشكلات التي يطرحها الواقع، ولا يتمترس وراء مقولات وقوالب ايديولوجية جامدة.. وفي الوقت نفسه لا يتخلي عن الاهداف الاستراتيجية لشعبه وأمته في التحرر والتنمية والتقدم والعدالة الاجتماعية.. وسواء اتفق المرء او اختلف مع محمد السيد سعيد فإن كتاباته ومحاضراته ومناقشاته كانت تمثل دائما متعة فكرية حقيقية وفائدة مؤكدة، ونوعا من "العصف الذهني" الذي يغني القضايا بالنظر اليها من زوايا جديدة او بمعالجات اكثر عمقا وشمولا واشتباكا مع المعضلات الحقيقية التي تطرحها هذه القضايا. والأمثلة كثيرة، يكفي ان نذكر من بينها مثلا كتاباته حول تصدع النظام العربي وتحديات إعادة بنائه في ظروف الهيمنة الامريكية علي العالم والاختلال الفادح في علاقات القوي في المنطقة لصالح الولاياتالمتحدة واسرائيل.. وما يتصل بذلك من ضرورة اعادة الاعتبار لفكرة العروبة التي تلقت ضربات عنيفة منذ هزيمة 1967.. ثم غزو صدام للكويت.. وما تلاه من كوارث الحصار ثم الغزو الامريكي للعراق.. ويمكن ايضا ان نشير لمتابعاته لتطورات القضية الفلسطينية في ظل الظروف التاريخية المشار اليها.. وان نشير ايضا الي معالجاته للقضايا المتصلة بتحديات تحقيق الديمقراطية والتنمية ومكافحة التخلف في مصر والعالم العربي. وظل هذا التفكير الاصيل المبدع سمة ملازمة لاسهاماته الغزيرة سواء في الدراسات ومشروعات البحوث التي شارك فيها او اشرف عليها في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الاهرام، او في دراساته ومقالاته الرصينة في مجلات كالسياسة الدولية وغيرها، او في مقالاته الصحفية في "الاهرام" و"الحياة" وغيرها من كبريات الصحف العربية.. او في مجلة "أحوال مصرية" الفصلية التي اسسها ورأس تحريرها لعدة سنوات، وجعل منها منبرا متميزا بعمقه ورصانته لدراسة أهم قضايا الواقع المصري، لا يزال يواصل رسالته حتي الآن. ثم كان تأسيسه لجريدة "البديل" مواصلة لرسالة البناء التي أخذها علي عاتقه أينما ذهب سواء في الصحافة أو في مؤسسات المجتمع المدني.. ورغم أن تجربة "البديل" لم تستمر طويلا لأسباب شديدة التعقيد فالمؤكد انها كانت تجربة متميزة تركت بصمتها في مسيرة الصحافة المصرية في السنوات الأخيرة. وشأن كل مثقف ومفكر حقيقي كان الراحل العزيز متسامحا واسع الأفق يجيد بصورة مدهشة الاستماع إلي الرأي الآخر وإدارة الاختلاف أو الخلاف في الرأي بتواضع وصبر ونزاهة، لا تجعله يتحول إلي خصومة شخصية أو رغبة في الإساءة إلي من يختلف معه أو إبداء الاستخفاف به مهما يكن أقل منه في المكانة أو العمر أو المستوي العلمي.. وبفضل هذه الروح الديمقراطية العميقة كان محمد السيد سعيد يحظي باحترام خصومه وكثيرا ما كانت تربطه علاقات صداقة متينة بمخالفيه في الرأي والاتجاه الفكري أو السياسي. ومن هذه الزاوية فإن شخصية محمد السيد سعيد ومسيرة حياته تقدم درسا جديرا بالتأمل من جانب كثيرين من مثقفينا الذين لا يطبقون الاختلاف في الرأي ويمارسونه بعدوانية وبروح اقصائية ويحولونه في كثير من الأحيان الي خصومة شخصية، ولا يترفعون حتي عن محاولة الاساءة الي مخالفيهم وايذائهم بشتي المكائد الصغيرة التي يمكن ان تمتد حتي الي لقمة العيش فضلا عن استغلال النفوذ لاقصاء وتحجيم "الخصوم"..