بداية اقرر ان السفير جمال منصور هو واحد من احب البشر الي قلبي، حيث تحمل له ذاكرتي الكثير من صفاء روحه ونقائه، وتحمل الذاكرة ايضا للسيدة زوجته الكثير من المودة، فهي من اضاءت وجه مصر معه سواء في باريس او بون او اي موقع من مواقع العمل الدبلوماسي. وحين يتكلم او يكتب جمال منصور، فأنت امام قطعة حية من الضمير الوطني، وهو واحد من ثلاثة فرسان اختاروا لانفسهم اسم "تنظيم الضباط الاحرار" وأنشأوه في سلاح الفرسان من قبل الثورة، ولان الاسم اعجب جمال عبدالناصر، لذلك ضمهم الي تنظيمه الذي اسسه وهو من قاد 23 يولية من بعد ذلك حيث استقر له امر القيادة برضاء العديد من ضباط القوات المسلحة. وهو من قبل ومن بعد من فرز ودرس اعماق كل ضابط من ضباط الاجنحة المختلفة في اسلحة الجيش فيما قبل الثورة، وهو ايضا من خشي من ضباط الفرسان كما هو معروف تاريخيا فلم يضم الي مجلس قيادة الثورة الا اثنين، واحد ضمن ولاءه المطلق هو حسين الشافعي والثاني عاني منه مع غيره من ضباط القيادة، وهو خالد محيي الدين اما بقية ضباط الفرسان فكان ينظر اليهم نظرة تحمل الكثير من الشك في ولائهم الشخصي له. ولذلك لم يخطر مثلا الثلاثة المؤسسين لتنظيم الفرسان بموعد الثورة، كيلا "يدوشوه" بالمثالية التي يتصفون بها، فهو كبرجماتي كبير لن يجد وقتا لكثير من الحوارات المثالية، خصوصا عند تنفيذ "الحركة المباركة" وكان هذا هو الوصف الذي اختاره ضباط يولية لما فعلوه منذ مساء ال22 من يولية وحتي طرد الملك، الي ان اهداهم طه حسين باشا لقب "ثورة 23 يولية" ومنذ ان قال طه حسين كلمة "ثورة يولية" حتي آمن الجميع بانها ثورة والذي يهمني هو اني قرأت مذكرات السفير جمال منصور، وهي من اعلي المذكرات صدقا عن فترة يولية، خصوصا وانه تبعها بكتاب ثان عن الوثائق الخاصة بتفاصيل ما قبل الثورة، ودور بعض ممن اخلصوا لفكرة التغيير في مصر. وقد تعجبت كثيرا من مواقف الرئيس السادات التي سبقت 23 يولية وكيف كان معظم رجال الثورة يشكون فيه، لانه كان محسوبا بلا مواربة علي تنظيم الحرس الحديدي، وكانت تلك المسألة هي الجرس الذي علقه جمال عبدالناصر في رقبة السادات فضمن ولاءه له طوال ايام حياته، ولكن دوره في حرب اليمن ثم دوره في ليلة محاكمة عبدالحكيم عامر: كل تلك اسرار نسمع عنها شائعات ولا نعرف عنها الكثير من الحقائق. ومن العجيب ان السفير جمال منصور كان يحتل موقع مساعد وزير الخارجية يوم اغتيال انور السادات وهو من استدعي الي مجلس الوزراء كي يساعد في صياغة وثيقة اعلان استشهاد الرئيس السادات. مازلت اتمني ان يكتب السفير جمال منصور كل مذكراته بنفس التفاصيل الذي كتب به د. ثروت عكاشة مذكراته، وعلي اية حال كانت مذكرات ضباط سلاح الفرسان هي اكثر المذكرات صدقا عن ايام وليالي 23 يولية 1952.