"ظل" العنصر البشري زمنا طويلا إحدي المزايا التنافسية في الاقتصاد المصري، وكانت العمالة المصرية الماهرة منخفضة التكلفة تلاقي اقبالا هائلا من الراغبين في الاستثمار داخل مصر وخارجها ويعرف الجميع الدور التاريخي الذي قامت به العمالة المصرية في بناء معظم المجتمعات العربية الشقيقة منذ الستينيات من القرن الماضي وحتي الآن. غير أن "كان" كما نعلم فعل يدل علي الماضي. أما في الحاضر، فيبدو أن هذه الميزة التنافسية تشهد منحني خطرا للهبوط منذ فترة حيث صارت عبارة "صعوبة العثور علي العمالة الماهرة" في مصر تتردد علي ألسنة الخبراء والمستثمرين الأجانب، بل والمحليين وبدأنا نلاحظ لجوء دول شقيقة إلي الاستغناء عن العمال المصريين واحلال آسيويين محلهم بل إن بعض الشركات الأجنبية في مصر بدأت تلجأ لهذا الاسلوب بينما يعاني ملايين الشباب المصري من البطالة ومع تضاؤل فرص العمل في الداخل أمام الشباب لا تنتهي محاولاتهم للسفر من أجل تدبير لقمة عيش لم يعد يهم الكثيرين أن تكون كريمة، وإنما يكفي أن تكون لقمة عيش فقط ومن أي طريق حتي أن المصريين الذين اشتهروا طويلا بالتعلق بالوطن والنفور من فكرة الغربة، بات الكثيرون منهم لا يبالي بالأهوال في سبيل الفرار من وطن لا يوفر له هذه اللقمة فصرنا نسمع عن العشرات الذين يخاطرون بالهجرة غير القانونية خاصة إلي الدول الأوروبية التي مازال بها فرص عمل للعمالة غير الماهرة فيقع بعضهم في براثن عصابات التجارة في البشر مما يعرضهم للعمل بالسخرة أو الدعارة وربما يتعرض بعضهم للموت غرقا أو اختناقا خلال رحلة الهجرة غير القانوني كما تطالعنا أخبار الحوادث من حين لآخر بأمثلة عن هذه الحالات. وتؤكد تقارير المراقبين، أن الطلب علي العمالة الأجنبية سيتزايد في عدد كبير من البلاد المتقدمة لأن تركيبتها السكانية تضم أعدادا كبيرة من المتقدمين في السن ويوجد فيها تناقص في الشرائح العمرية في سن العمل وفي الوقت نفسه هناك نقص واضح في مجالات معينة مثل تكنولوجيا المعلومات والخدمات الطبية، والفرق الكبير بين مستوي الأجور وفرص العمل في هذه الدول المتقدمة والدول النامية يشجع أبناء الأخيرة علي الهجرة إليها، وهناك بالفعل العديد من الدول التي غيرت والتي بصدد تغيير قوانين الهجرة لكي تسهل دخول العمالة الأجنبية الماهرة عادة بصفة مؤقتة فقد أعدت المفوضية الأوروبية مقترحات جديدة من أجل وضع استراتيجية أوروبية موحدة لإدارة ملف الهجرة بشقيها الشرعي وغير الشرعي في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وهناك اقتراح يقضي بمنح بطاقة أوروبية زرقاء "بلو كارد"، للأيدي العاملة المؤهلة وأصحاب الكفاءات المقيمين علي أراضي الاتحاد من رعايا الدول المجاورة علي غرار ما يعرف بالبطاقة الأمريكية الخضراء "جرين كارد" لاستقطاب العمالة الماهرة للمحافظة علي نشاط سوق العمل الأوروبي علي مدي السنوات القادمة والمعروف أن أوروبا تحتل المركز الثالث بعد كندا والولايات المتحدة في استقطاب العمالة المهاجرة من العالم ونذكر أن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي كان تقدم عندما كان وزيرا لداخلية بلاده بمشروع قانون للهجرة أقرته رسميا الجمعية الوطنية، رغم ما أثاره من جدل وقتها ويقضي القانون بتفضيل العمالة الماهرة وتشديد قواعد اعادة لم شمل الأسر وقال ساركوزي للبرلمان إن القانون سيمكن الحكومة من ترويج ما سماه الهجرة المنتقاة ووفقا للقانون الجديد تصدر السلطات تصريح إقامة "للمهارات والمواهب" مدته ثلاث سنوات بهدف جذب العمالة الماهرة، لكن القانون يسمح أيضا بجلب العمالة غير الماهرة في القطاعات التي تواجه نقصا في الأيدي العاملة ويزيد القانون من صعوبة قيام المهاجرين المقيمين بجلب أسرهم إلي فرنسا.