أنا واحد من البشر العاديين جدا، وما أن يأتي رمضان حتي انقلب إلي كائن مختلف عن بقية المصريين الذين أعيش بينهم فأنا لا أقبل هذا الهجوم الضاري من مسلسلات التليفزيون، وعادة ما أعيش رمضان كشهر عادي جدا فقط يختلف عندي أمران لا ثالث لهما، أولهما هو محاولة عدم مغادرة المنزل إلا فيما ندر، وخصوصا أن الزحام يكون فوق الاحتمال وثانيهما هو عدم تناول الافطار خارج المنزل. وبطبيعة الحال أستسلم أبدا لمولد المسلسلات التليفزيونية التي يغرقنا فيها المد التجاري العالمي، فالمسلسلات هي وسيلة تمويل القنوات التليفزيونية، وأنا أحب أن يصيب الثراء كل قنوات التليفزيون، فضائية أو أرضية، مصرية أو عربية، بشرط أن يكون كل ذلك بعيدا عن وقتي، فما فائدة أن أشهد كاريكاتيرا لسعاد حسني أو عبدالحليم حافظ، وقد عشت مع الاثنين لسنوات، وما فائدة أن أري مسلسلاً عن الانتخابات وأنا من رأيت كيف تسلقت سيدة فوق سلم خشبي كي تصل إلي صندوق الانتخاب؟ عن نفسي لا أطيق المسلسلات، لا لأني مثقف منعزل، ولكن لأن هناك أعمالاً أكثر أهمية من رؤية هذا الضجيج اللاهث، ولكن ليس معني ذلك أني لم أشاهد الكلاسيكيات من الأعمال التليفزيونية، مثل رأفت الهجان، ومثل ليالي الحلمية بكل أجزائها ومثل "بوابة الحلواني" ومثل زيزينيا ومثل الليل وآخره، ولا يمكن أن أنسي المسلسل الذي كان أشبه بسيمفونية يمكن أن تشاهده أكثر من مرة وتري أعماق الكائن البشري بحلوها ومرها وهو "حديث الصباح والمساء" هكذا سردت هنا ثقافتي التليفزيونية واكتشف أني لست وحدي من يفعل ذلك بل هناك كثيرون من البشر العاديين جدا يفعلون مثلي، لأن الوقت أكبر قيمة من رؤية أي نجم سينمائي أكله قطار الأفلام الكوميدية اللاهثة بدورها وراء جيب المشاهد، ولم يعد له عمل سوي أن يأكل من التمثيل التليفزيوني فمرحبا برزق ممثلي وممثلات السينما ولكن بعيدا عن وقتي. وحين قرأت خبرا يقول إن ما تم إنتاجه من أجل رمضان هذا العام هو 63 مسلسلاً، أخذت أضحك كثيرا فمن يستطيع تحويل اليوم إلي 63 ساعة بدلا من 24 ساعة هذا لو افترضنا أن الجمهور مطالب بأن يتابع كل هذا الهجوم التليفزيوني. وعن مسلسلات هذا العام لم يقترب من قلبي سوي "حدائق الشيطان" لأن محمد صفاء عامر قد أبدع في كتابة نص ملحمي عميق الجذور والمعني وأن الشاعر سيد حجاب وهو ابن المنزلة بحري كتب غناء صعيديا راقيا للغاية، وأن جمال سليمان الممثل السوري جعلني أصدق أنه عملاق بكل المقاييس الفنية فشكرا علي هذا المسلسل لأنه أثار من جديد أهمية أن نكون عربا من أجل تأكيد مصريتنا أو سوريتنا فالعروبة التي كادت شمسها أن تغيب، قد احتفظت بالفن كوسيلة وحيدة كي يبقي لنا الحلم القديم أننا عرب، والعروبة تقتضي الاعتزاز بالمواطنة مع الترحيب العميق بكل ما يأتي من الأوطان التي تنتمي إلي نفس الخريطة.