أكتب في أعقاب سماعي لموتسارت. في دار الأوبرا المصرية استمعت إلى عزف أوركسترا الحجرة المصري بقيادة أحمد الصعيدي. السيمفونية رقم 29 في سلم لا الكبير، تصنيف كوخل رقم 201، وقبلها كونشرتو للفيولينه والاوركسترا في سلم لا الكبير، تصنيف كوخل رقم 219، صوليست حسن شرارة. " ماذا يمكن أن يقال بعد كل ما قيل ؟ " حقاً الكلمات عبء على الوجود. عندما ترسلك موسيقى موتسارت إلى حتمية أن تغلق عينيك، تغلقها دون كل ما يفصلك عن استقبال خطابه النغمي. هذا الوصل الباطني. ما وراء ظاهر الوجود وظاهرك. صمت جميل. صمت عميق. قرار النفس وجواب بعيد محلق. خروج مؤقت من تزامن وتدافع كلمات مسعورة متكالبة يحكمها استقطاب يفتقر أي شكل من أشكال الصراع الفني، وأصوات منفرة. تآلف النغمات، تساند الأصوات الموسيقية، ولوج الآلة المحتفى بها وصاحبة الدور الرئيسي، لحظات استحيائها، تسللها، تمكنها، نشوتها المتصاعدة، انسحابها. دقائق ورقائق تلامسات والتفافات قوس الكمان في يد حسن شرارة . أفتح عينيي بخشية شديدة أن تفلت إحدى النغمات في ضوء المسرح. أخطف تعبير وجه شرارة، وما يفيض به من بهجة الأداء وانسجامه، أو جسد الصعيدي الذي ينبض بالموسيقى، ويدق بقدميه ويوقّع بقفزات ساقيه. ألمح العازفين المهرة، وأطابق التقاطي لمصدر صوت الآلة المتميز بموقع العازف. وأطوف بمرأى احتضانهم العريق للقائد، وحميمية عزف ‘ الحجرة ‘، مخفضةً، بحرص لم يبارحني، من نطاق النظر لأعود وأطبق على النور الداخلي الذي يسري مع موتسارت. فضاء بحق هذا الذي ينشأ من سماع مثل هذه الموسيقى، وبمثل هذا المستوى من رهافة الأداء الذي يقوده الصعيدي. والمعنى ينطلق حراً يوسع من النفْس. غير فضاء فجور الكلمات وفساد التأويل واختلاط الجليل بالتافه. ماذا كان ليعنون محفوظ رائعته: ثرثرة فوق النيل ! هل كان يكفي لفظ ثرثرة. تشغلني نسبية التعبير بالكلمة، يشغلني تباطؤها بل ثباتها عن اللحاق بالمتغير وفداحته. لاتشردي عن هذه اللحظة الثمينة. لا تغرينك حرية المعنى الموسيقي وانطلاقه بالخروج من هذا الفضاء الجدير بالسكنى، ولو لبضع دقائق. الزميه. نستحقه جميعاً في خضم ما اعتركناه من سرابات المعنى وضلالاته اللفظية. هدنة تنقي وتخرج سموماً وتعيد تنظيم ملَكات العقل. فضيلة الإنصات في أسمى تجلياتها، وكل الحواس تفسح لها مرضية . حزنت عندما انتهى توليه لقيادة أوركسترا القاهرة السيمفوني، لكن يصيبني أحياناً من اطلالات الصعيدي الحرة جانباً، فكان مساء الجمعة، 17 يناير، افتتاحاً للموسم الثاني2013-2014 للسيمفونييتا المصرية التي هي نتاج تعاون بين الجمعية الفلهارمونية المصرية برئاسته ودار الأوبرا المصرية، كما هي استمرار لنشاط أوركسترا الحجرة الفلهارموني التي أنشأها الصعيدي عام 2003، وهو ذات العام الذي ترك فيه قيادة أوركسترا القاهرة السيمفوني .