نجاد..«شاغل الناس»! لا خلاف علي ضرورة الوقوف ضد أي عدوان عسكري أجنبي علي إيران، ولا خلاف علي أنه لا يمكن بحث موضوع الملف النووي الإيراني بمعزل عن الترسانة العسكرية النووية الإسرائيلية. ولكن أن يصل الأمر برئيس مجلس النواب اللبناني أن يستقبل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدي وصوله في زيارة للبنان بقوله: «يا مالئ الدنيا وشاغل الناس».. فهذا كثير. أما أحمدي نجاد، الذي شهد استقبالا شعبيا في لبنان لا يمكن أن يجده في إيران نفسها، فإنه يعتبر أن انتصار حزب الله في حرب يوليو.. أوصل حدود إيران إلي حدود إسرائيل، وأن منظومة الأمن - التي تشكل إيران عمقها - قد اكتملت من البحر المتوسط إلي وسط آسيا. أي أن إيران ومؤيديها هم وحدهم الذين يتصدون لإسرائيل! وفي نفس الوقت، فإن «نجاد» يبشرنا بظهور جبهة «مقاومة» تتكون من طهران ودمشق وبيروت وفلسطين وبغداد.. وأنقرة، مما يعني أن العراق، الخاضع للاحتلال الأمريكي، أصبح جزءا من الحلف المناهض للاستعمار الأجنبي، وأن هذا الاحتلال جعل من بغداد إحدي القلاع المحاربة لقوي الاستكبار العالمي! كذلك لا تتعارض العضوية في حلف الأطلنطي مع هذه الواجبات الثورية!! ولم يكن من اللائق أن يعلن «نجاد» أنه يتبني موقف حزب الله فيما يتعلق بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وأن يعتبر المحكمة «مجرد جهاز لتلفيق الاتهامات» لأصدقائه في لبنان.. فذلك تدخل في الشئون الداخلية اللبنانية. ولم يكن هناك مبرر لأن يعطي نجاد الانطباع بأن أصدقاءه في لبنان هم قادة الأمة وربما فوق الدولة وقوانينها ومؤسساتها أو يقبل استعراض هؤلاء لقوتهم واستقوائهم بإيران علي.. لبنانيين آخرين. كان المفترض أن يظهر «نجاد» أنه ليس صديقا لفئة أو طائفة بعينها، وإنما صديق لكل لبنان، وأن يحرص علي تأكيد احترامه لسيادة واستقلال هذا البلد، وأن لبنان ليس محمية لأي دولة، وليس دولة حزب معين، وأن قرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية. ولم يكن حسن نصرالله، زعيم حزب الله، موفقا عندما أعلن أثناء زيارة «نجاد» انتماءه لولاية الفقيه، وتفاخر بإيمانه العميق بهذا الولي الفقيه «العادل والحكيم والشجاع». وربما لم يكن موفقا أيضا في جعل مكان لقائه بالرئيس الإيراني في السفارة الإيرانية.. فهو ليس من رعايا إيران في لبنان. وكان عليه أن ينصح مؤيديه بأن يرفعوا العلم اللبناني، وليس أعلام حزب الله وحركة أمل والأعلام الإيرانية.. فقط. والحكمة السياسية تقتضي عدم تغليب لبنانيين علي لبنانيين أو الإخلال بالتوازنات الدقيقة - التي تعكس التنوع - في ذلك البلد العربي الرائع.