الخطر الذي تشكله أمريكا في ظروف مصر الراهنة ظهر في الفترة الاخيرة ما يشبه الاجماع بين المفكرين الاستراتيجيين في العالم، بما فيه الولاياتالمتحدة، علي ان الدور القيادي لأمريكا في العالم آخذ في التراجع، بمعني ان الولاياتالمتحدة لن تعود هي القوة العالمية المسيطرة.لم يظهر اجماع مماثل علي من سيحل محل الولاياتالمتحدة في القيام بهذا الدور الاول في العالم من بين القوي العالمية الكبري. ويبدو ان العالم مشغول اكثر بمراقبة التراجع الأمريكي وظواهره ومظاهره. وقد بدأ يحل تقدير بان الولاياتالمتحدة لا تزال دولة قوية ربما فوق ما يتصور المفكرون الاستراتيجيون، الا انها تعاني في الوقت الحاضر عددا من مركبات النقص الداخلية، من بين مظاهره شعور حاد – او بالاحري لاشعور داخلي حاد – بانعدام الامن. ويميل القائلون بهذا الي الاعتقاد بان الدول في هذا شأنها شأن الافراد الذين يفتقرون الي الشعور بالامان: اما ان يكبروا منزوين وخجلين وغير قادرين علي المواجهة …او ان يكبروا عدوانيين ومستعدين لارتكاب ابشع الفظائع دون مبررات كافية، او فانهم يختلقون هذه المبررات. واذا ما اخذنا بهذا التشبيه بين الافراد والدول فاننا نلاحظ ان بعض المفكرين الاستراتيجيين – الأمريكيين بشكل خاص – يعتبرون ان الولاياتالمتحدة اظهرت في كل الاوقات سمات الشخصية المرضية “السيكوباتية” حسب التسمية التي يطلقها علماء النفس علي الافراد ذوي الميول العدوانية تجاه الآخرين دون مبررات كافية او واضحة. وهنا ينبغي ان نلاحظ ان المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين يفرقون عادة بين ما يسمونه استراتيجية قومية أمريكية واستراتيجية عسكرية أمريكية. الاستراتيجية القومية عند هؤلاء اشمل كثيرا. تعني حشد كل القوي السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وكذلك النفسية، في زمن الحرب وزمن السلم علي السواء لتحقيق اهداف سياسية في الاساس. أما الاستراتيجية العسكرية – بالمقابل – فانها تعني الاخذ بسبل تحقيق الانتصار في الحرب. انها بهذا المعني تعني فن وعلم استخدام القوات المسلحة لتأمين تنفيذ سياسات الدولة بالحرب الفعلية او بمجرد التهديد بها. وتاريخيا فان الولاياتالمتحدة قد انتهجت هذه الاستراتيجية العسكرية منذ سنوات الحرب العالمية الثانية(1939-1945) حتي الان. وخاضت الحروب ضد كوريا وضد فيتنام. وبعد فترة كمون عادت تمارس هذه الاستراتيجية العسكرية ضد كوبا وفي أمريكا اللاتينية بشكل عام، ثم استمرت في انتهاج سياسة عسكرية اما مباشرة او غير مباشرة الي ان خاضت حربا ضد دولة يوغوسلافيا انتهت الي تمزيق هذه الدولة الي اجزائها المكونة. ولم تلبث الولاياتالمتحدة ان غزت افغانستان في عام 2001 وبعدها العراق في 2003. استخدام الاطلنطي والان تحاول الولاياتالمتحدة ان تعيد حساباتها علي اساس الاعتماد اساسا علي قواعدها العسكرية المنتشرة في انحاء العالم بما في ذلك العالم العربي. وتستخدم الولاياتالمتحدة سيطرتها الكاملة علي حلف شمال الاطلنطي وقواته العسكرية علي نحو ما فعلت في ليبيا بشكل صريح ومباشر وعلي النحو الذي تهدد باللجوء اليه في سوريا. ويكمن هنا خطر تصعيد التهديد بالتدخل العسكري في مصر، اما بواسطة قوات حلف الاطلنطي او بواسطة القوات الأمريكية او هما معا اذا اقتضت الضرورة. ان الولاياتالمتحدة من خلال تلك الاستراتيجية العسكرية تحاول ان تعيد تشكيل العالم علي نحو يتناسب مع تراجع امكاناتها، خاصة الاقتصادية. وهي تحاول في الوقت نفسه اعادة تشكيل الراي العام الأمريكي بما يتفق مع الواقع العالمي الجديد. ويكثر حديث القادة الأمريكيين – السياسيين والعسكريين – الي الرأي العام الأمريكي عن امن الولاياتالمتحدة بمعناه العسكري. وينطوي هذا علي نوع من التحذير من طلب الرأي العام الأمريكي الاهتمام بالجانب الاقتصادي من المشكلة. بمعني ان الراي العام الأمريكي – جماهير الشعب الأمريكي – يركز اهتمامه علي الجانب الاقتصادي من مشكلة تراجع موقع الولاياتالمتحدة بينما يركز القادة الأمريكيون في مواقع اتخاذ القرار السياسي والعسكري علي السواء علي الجانب العسكري من مشكلة التراجع الأمريكي. بالنسبة للرأي العام الأمريكي فان الولاياتالمتحدة مهددة اقتصاديا الان اكثر من اي وقت مضي. وبالنسبة للقادة – سواء كانوا في الحكم او كانوا في انتظار انتخابات الرئاسة وانتخابات الكونجرس القادمة – فان الاهتمام بالجانب العسكري يستحق كل التركيز. خطر الارهاب في ظل هذا الاختلاف فان الطبقة الحاكمة الأمريكية تبذل كل ما بوسعها لاشعار الجماهير الشعبية الأمريكية بان الخطر المسلح الذي تواجهه الولاياتالمتحدة هو خطر “الارهاب”. وفي السنوات القليلة الاخيرة فان القيادات الأمريكية بنوعيها تتآزر من اجل تنمية الخطر الارهابي عمدا. ويتضح هذا في أحداث سوريا التي تلعب فيها الولاياتالمتحدة دورا كبيرا لدعم المنظمات الارهابية ذات الاتجاه الديني المتطرف، كما تفعل في سوريا وكما فعلت من قبل في ليبيا. ويخشي ان تكون هذه الخطة نفسها معدة للتطبيق في مصر كنتيجة حتمية للتأييد الذي اظهرته الولاياتالمتحدة لتولي تنظيم الاخوان المسلمين الحكم في مصر. وأمريكا هي اول العارفين بان تنظيم الاخوان المسلمين يملك ميليشيات مسلحة ومدربة وان هذا التنظيم سيحرص كل الحرص علي التمسك بالحكم، وهو ما ناله بعد انتظار استمر لاكثر من ثمانين عاما منذ التأسيس في عام 1928. ان الدعم الذي قدمته أمريكا للمنظمات الارهابية في ليبيا وفي اليمن ولا تزال تقدمه في سوريا اذا ما شمل مصر ايضا في ظل استمرار ظروف التناقض والخلافات بين تنظيم الاخوان المسلمين الحاكم والجماهير الشعبية سيشكل خطرا داهما في المنطقة العربية باكملها فضلا عن الخطر الذي يشكله علي بلد كبير وبالغ الاهمية جغرافيا وتاريخيا هو مصر. واذا ما تساءلنا اذا كانت الولاياتالمتحدة تدرك مدي هذا الخطر واذا كانت مستعدة لان تغامر به الي هذا المدي فاننا يجب ان نرصد الاستراتيجية الأمريكية من زاوية ما تعتبره القيادات الأمريكية مصالح أمريكية وليس من زاوية مصالح مصر ومستقبلها. في هذا الاطار يتضح ازدياد الاهتمام الأمريكي – بعد فترة غياب عن مكونات الوعي الأمريكي – بالمجمع الصناعي – العسكري الذي كان الرئيس الأمريكي الجنرال دوايت ايزنهاور قد حذر منه في خطبة الوداع التي القاها في ختام فترة رئاسته في اوائل عام 1961. في هذا الاطار يتضح ما يجري من عسكرة الاقتصاد الأمريكي وخاصة الصناعة الأمريكية الي حد اصبحت فيه الولاياتالمتحدة تستورد كل احتياجاتها الاستهلاكية تقريبا لان انتاجها اصبح يقتصر علي الصناعات العسكرية وما يرتبط بها من تكنولوجيا. والتركيز في أمريكا الان هو علي الانظمة المعلوماتية ذات العلاقة بالنواحي العسكرية. العمي الداخلي ان النظام الحاكم في أمريكا الان – الذي يلخصه تعبير المجمع الصناعي العسكري – لا يري الا الاخطار الخارجية علي الامن الاقتصادي للولايات المتحدة، مغفلا الاخطار الداخلية عليه. ماهي الاخطار الخارجية علي الامن الاقتصادي للولايات المتحدة التي تركز عليه الطبقة الحاكمة؟ - اوروبا الموحدة وقوة الصناعات الاوروبية وقوة اليورو (العملة النقدية الاوروبية). - الصين وقوة معدلات النمو الصينية. - روسيا وانفتاحها علي العالم الخارجي بما يشبه التوسع في النفوذ السوفييتي فيما قبل تفككه. - اليابان وقوة المنافسة التكنولوجية والصناعية، التي اصبحت تشمل العالم كله بعد ان كانت في زمن سابق تقتصر علي آسيا. - الاقتصاد النفطي العالمي الذي تعطي الولاياتالمتحدة اولوية قصوي للسيطرة عليه وبالتالي ضرورة الهيمنة علي الدول العربية المنتجة له، اي دول الخليج. فاذا ما تساءلنا عن الاخطار الداخلية علي الامن الاقتصادي الأمريكي فاننا يمكن ان نلخصها في النقاط التالية: - تعاظم اللامساواة الاجتماعية – الاقتصادية بين طبقات الشعب الأمريكي. ويصل هذا الخطر الي حد تهديد الطبقة الوسطي الأمريكية التي كانت تقوم بالدور الاساسي في حركة النمو الأمريكي. - تصاعد نسبة البطالة بين العاملين الأمريكيين. - تصاعد نسبة المحرومين من التغطية الصحية. - تراجع انتاجية أمريكا الصناعية والتكنولوجية الا في المجال العسكري. ان أمريكا في وضعها الراهن – ولانها لاتزال تشكل قوة عسكرية هائلة – تشكل نتيجة لهذا كله خطرا هائلا علي كل من عداها. ومن الخطورة بمكان ان لا نكون متنبهين الي هذا الخطر في ظروفنا الراهنة. اي في ظروف مصر الحالية.