وثيقة استراتيجية أمريكا الجديدة بعد بوش عاطف الغمري هذه الوثيقة للأمن القومي الأمريكي بعد بوش، أعلنت أخيرا في واشنطن، بعد ثلاث سنوات من المناقشات شارك فيها 400 من الخبراء المرموقين يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية، في مقدمتهم جورج شولتز، وأنتوني ليك، ومادلين أولبرايت، وهنري كيسنجر، وزبجنيو بريجنسكي، وفرنسيس فوكوياما، وفريد زكريا، وجوزيف ناي وغيرهم. والوثيقة التي خصصت لها سبع مجموعات عمل، تتكون من 90 صفحة، تناولت الخطوط التي تسير عليها سياسة خارجية جديدة تجاه مختلف القضايا والمناطق في العالم، بما فيها الإرهاب والشرق الأوسط، وتحمل اسم تقرير برينستون للأمن القومي، وعنوانها هو: صياغة عالم من الحرية في ظل القانون: الأمن القومي للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. واسم برينستون نسبة إلى جامعة برينستون التي تولت رعاية المشروع والمناقشات التي انتهت إليه، والذي يمثل قفزة كبرى بعيدا عن وجهات النظر التي سادت في فترة حكم بوش. والهدف الطموح للوثيقة هو القيام بالدور نفسه الذي قامت به نظرية جورج كينان التي بنيت على أساسها استراتيجية الخمسين عاما التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية منذ عام ،1947 والتي سميت استراتيجية الاحتواء، وهي التي تعاملت بها الولاياتالمتحدة مع أوضاع العالم في تلك الفترة الطويلة، بهدف محدد هو حماية الشعب الأمريكي وأسلوب الحياة الأمريكية. وتنتقد الوثيقة سياسة حكومة بوش التي جمعت بين الغطرسة وعدم الكفاءة، والتي قادتها إلى ارتكاب الأخطاء. تقول الوثيقة في مقدمتها: على الولاياتالمتحدة ونحن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أن تجري تقييما للعالم، ليس من خلال النظر من زاوية أوضاع الحرب العالمية الثانية، أو الحرب الباردة، أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر بل من خلال أوضاع الحاضر، فالأمريكيون يحتاجون إلى الاعتراف بأننا في عالم تنقصه دولة محورية للسياسة الخارجية، مثلما كان لهم هذا الدور في إدارة السياسة المضادة للفاشية أو المضادة للشيوعية. وإن الولاياتالمتحدة تواجه حاليا أخطارا متعددة، بعضها يمثل تحديات طويلة المدى، وفرصا لا تحصى، وفي مواجهتها يقدم هذا التقرير استراتيجية جديدة للأمن القومي، تحيط بالعالم الذي يضمنا، والعالم الذي نريد إيجاده. ولما كانت الوثيقة تتعرض لمختلف الظواهر الحاضرة، وكذلك التي يحتمل أن تتعرض لها الولاياتالمتحدة في المستقبل القريب، فيمكن إجمالا رصد عدد من العناصر الرئيسية التي تركز عليها وهي: 1 - تعلن الوثيقة رفضها سياسة حكومة بوش القائمة على عسكرة السياسة الخارجية، والانفرادية بالقرار في شؤون العالم، وتدعو الولاياتالمتحدة إلى وضع كثير من أدوات قوتها من أجل تحقيق أهدافها، وأن تقدم تحليلا متعمقا للإرهاب الدولي يخالف ذلك الذي أخذت به حكومة بوش بحيث ينبغي التعامل بدرجة أكبر مع شبكات الإرهاب على أنها منظمات للجريمة وليست كمنافس عسكري. 2 - تصور الوثيقة العالم على أنه يموج بالمشاكل شديدة التنوع، وتقول في أول جملة لها: بعد مرور خمس سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن العالم يبدو مكانا محملا بتهديدات أكثر مما كانت في أى وقت مضى. وتشعر الولاياتالمتحدة بصورة متزايدة أنها وحيدة في العالم، وتواجه العديد من المشاكل الراهنة. ثم تقول في فقرة لاحقة: إن استراتيجية أمن قومي للقرن الحادى والعشرين يجب أن تتصدى لجميع الأخطار التي تواجهنا، وأن تعمل على نزع فتيل المشاكل التي ليس هناك يقين بشأنها والمتغيرة وحلها، وانتهاز كل الفرص المتاحة لنا لنضمن لأنفسنا وللعالم أن يكون أكثر أمنا. 3 - ينبغي على الولاياتالمتحدة أن تنشر الديمقراطية في العالم على مدى العقود بل القرون المقبلة ليس فقط باعتبارها من القيم التي نتمسك بها، بل أيضا لأن التاريخ وعلم الاجتماع يقدمان لنا سببا جوهريا للإقناع بأن أمريكا تكون أكثر أمانا وثراء وعافية وسعادة، ضمن عالم من الديمقراطيات الليبرالية التي نضجت. ويجب أن تطور استراتيجية أكثر عمقا تنظم وتشجع وجود الشروط المسبقة لقيام ديمقراطية ليبرالية ناجحة.. شروط مسبقة تتجاوز مجرد إجراء انتخابات، واستراتيجية تدفع لقيام ليبرالية تحت حكم القانون، ليس فقط لدول منفردة تبعا لظروفها التاريخية والثقافية الخاصة، ومستوى التنمية فيها، بل وفقا لنظام عالمي متكامل. 4 - لابد من إحلال تعددية التعامل مع العالم، محل الاستراتيجية الانفرادية فإن أكثر ما يخدم مصالح أمريكا هو إيجاد عالم من الحرية في ظل القانون، وعندئذ يجب على أمريكا أن تعمل لإصلاح نظام المؤسسات الدولية التي أنشئت عقب الحرب العالمية الثانية. 5 - إن احتياجات أمريكا اليوم تحتاج الى أن تتناسب مع جرأة خيال جورج كينان حين ابتدع استراتيجية الاحتواء، ويجب أن تعترف بأن عليها العمل نحو إيجاد نظام عالمى جديد لا أن يستبعد غالبية سكان العالم وندعو الى توسيع عضوية مجلس الأمن، للسماح لدول من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، بالتمتع بالعضوية الدائمة. 6 - تتعرض الوثيقة لظاهرة الكراهية لأمريكا Anti-Americanism، وتدعو الى اتباع أسلوب فن الاتصالات المتبادلة، وليس حملات العلاقات العامة، لحل هذه المشكلة، واتخاذ منظومة إجراءات جديدة، يمكنها تخفيف حدة هذا العداء لأمريكا خصوصا في العالم الإسلامي. وفي الختام: فبالرغم من أن هذه الوثيقة تعدل من مسار السياسة الخارجية الهجومية لحكومة بوش، والذين سيطرت عليهم أيديولوجية الهيمنة، وفرض أفكارهم على العالم ولو بالقوة، من خلال المبدأ القائل إن ما هو في صالح أمريكا هو إذن في صالح العالم، إلا أنه يلاحظ عليها: - أنها تغض النظر عن حقائق جديدة قد اعترفت بها مؤسسات استراتيجية واقتصادية مهمة في أوروبا والولاياتالمتحدة، ترى أن قيادة أمريكا المنفردة للعالم في طريقها للأفول لتحل محلها التعددية المتساوية على قمة النظام الدولي. وذلك ببروز دول ناهضة في آسيا كالصين، فالبنتاجون توقعت في تقرير مهم لها أن تصل الصين إلى درجة التعادل في القوة مع الولاياتالمتحدة بحلول عام ،2025 كما قررت دراسة لمؤسسة جولدمان ساكس بريكس الاقتصادية والمالية الأمريكية الكبرى، أنه بحلول عام ،2050 ستكون أكبر أربع قوى اقتصادية في العالم بهذا الترتيب: الصين، أمريكا، الهند، واليابان، وأن حدوث ذلك قد يتم في أقرب من هذا التاريخ، ولن تكون هناك قوة اقتصادية أوروبية منفردة في هذا الإطار للأربع الكبيرة. مازالت الوثيقة تنظر إلى العالم من زاوية العصر الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، الذي أتاحت ظروفه قيام القرن الأمريكي، فالعولمة وبروز القوة الآسيوية قد أوجدت أسسا لنظام عالمي جديد مختلف تماما، لم تعد فيه فرص قيادة العالم متاحة لجانبي الأطلنطي، وهناك احتياجات متزايدة وجوهرية لمشاركة دولية من نوع جديد، كما أن مشكلات العالم التي تمثل مصادر جديدة للتهديدات من الإرهاب إلى تدهور البيئة لن تحل إلا بنظام جديد للمشاركة يأخذ في حسابه مصالح أمن الجميع، ووجهات نظرهم. وإذا كانت الاستراتيجية التي طبقها المحافظون الجدد في ظل حكومة بوش، والمعلنة في العشرين من سبتمبر/ ايلول ،2002 قد فرضت واقعا مغايرا للعالم، ولوضع أمريكا فيه، إلا أنها كانت محاولة لاختطاف النظام العالمي، وقطع الطريق أمام اكتمال عملية بلوغ التعددية الى قيادة العالم، ثم كانت انتكاسة هذه الاستراتيجية في العراق، وما جلبته من أضرار للولايات المتحدة في العالم، شهادة موت لهذه الاستراتيجية وبالتالي إعلان تقرير برينستون المتضمن وثيقة لاستراتيجية جديدة للأمن القومي، لها مقومات البقاء للمدى البعيد، وبالطبع من وجهة نظر حسابات المصالح الحيوية ومصالح الأمن القومي للولايات المتحدة. ويبقى في هذه الوثيقة الجانب المتصل بنا مباشرة، الذي يتناول السياسة تجاه العرب و"إسرائيل". وهو موضوع حديثنا القادم بإذن الله. عن صحيفة الخليج الاماراتية 16/1/2008