على رصيف شارع يوسف كامل ظهرت "صابرة" فجأة لتبيع الخضراوات، بدا وجودها مباغتًا لسكان الشارع، الذين شعروا بامتعاض شديد وهم يرون جانبًا من رصيف شارعهم يتم احتلاله بهذه الصورة الفجة، يمكن القول أيضًا إنها كانت صورة فجة وصادمة لأنها بدت غير متسقة مع روح الشارع القديم الذي تنتشر فيه مجموعة كبيرة من الفيلات والعمارات القديمة الفخمة التي يرجع تاريخ بنائها إلى العصر الخديوي. لا أحد يعرف لماذا قررت أن تبيع في هذا الشارع تحديدًا؟ رغم أن السوق الشعبي يقع في الشارع الخلفي وبإمكان أي أحد عبور الشارع وشراء احتياجاته منه. ومع ذلك فقد تغافل السكان عن وجودها آملين-في الوقت نفسه- أن تترك المكان من تلقاء نفسها. رغم هذا الضيق فقد لاحظ الجميع أنها كانت شديدة الاعتناء بنظافة المكان حولها، كما أن أطباق الخوص الملونة التي ترص فيها بضاعتها، بدت متآلفة بصورة غير قابلة للتفسير مع أنماط العمائر والبيوت والقصور القديمة، لدرجة أن بعض العجائز كانوا يتوقفون أمامها ويتبادلون معها أحاديث ودية، وبمرور الوقت بدا وجودها لطيفًا وغير مضجر. كانت صابرة تواصل الجلوس بخضراواتها حتى منتصف الليل تقريبًا، ولأن السوق ينفض مع بداية المساء فقد بدت قادرة على تلبية الاحتياجات المسائية الطارئة في بعض البيوت، وبصورة تدريجية ظهر اعتياد ما على الشراء منها. بعد مرور شهر من جلوسها بدأت خضراواتها تنفد بصورة كاملة مع مطلع الحادية عشرة مساء. وفي السادسة صباح اليوم التالي كنا نراها ترص كميات أخرى جديدة. القليلون الذين تبادلوا أحاديث ودية معها، اكتفوا بمعرفة أشياء بسيطة بدت مثيرة للتعاطف الشديد. وبمرور الوقت انتشرت حكايتها البسيطة التي تتعلق بموت زوجها وولدها في حادث، وأنها لم تنجح في بيع خضراواتها في الحي الشعبي المجاور الذي تقطنه والمكتظ أصلا بالباعة. بمرور الوقت تبدل التعاطف الشديد إلى رغبة حقيقية في المساعدة. وإذا كان الأمر قد بدأ مع صابرة بهذه الصورة البسيطة إلا أنه لم يبق كثيرًا بهذه البساطة. بدأت كميات الخضراوات التي ترصها تتزايد باطراد، كما استطاعت أن تضيف أصنافًا جديدة كل وقت بناء على طلبات الناس. كما أصبح لدى صابرة نوعيات من الخضراوات لا توجد في السوق الشعبي الكبير بجوارنا. بعد مرور ستة أشهر وبرضا عميق وحماية من سكان الشارع صنعت صابرة تكعيبة بسيطة من الخوص الملون وبجهد مدهش كانت تفك التكعيبة في نهاية المساء وتعيد تركيبها ببساطة في الصباح. لم يمر العام الأول لها في الشارع حتى ظهرت أقفاص الفاكهة المتنوعة بجوار الخضراوات وقد لاقت إقبالاً متوقعًا أيضًا. وحلت الثقة الكاملة في نظافتها وجودة بضاعتها مكان الرغبة المحضة في المساعدة. كما أن قدرتها المذهلة على توفير كل ما يحتاجه سكان الشارع، جعلتهم يعتمدون على وجودها في توفير كل شيء، إلى جانب هذا، فقد بدأت تقيم صلات قوية مع أغلب سكان الشارع والشوارع المجاورة، لقد أحبوها على نحو غامض. وإذا كان الحظ السعيد لصابرة، هو الذي جعلها تحظى بحماية مدهشة من بعض سكان الشارع الذين أحبطوا محاولات طردها من قبل موظفي الحي، لأنها تشغل الرصيف، فقد اكتسبت مشروعية هائلة عندما بدأ رئيس الحي نفسه والشخصيات المهمة التي تسكن منطقتنا في الشراء منها. لقد أحبوها أيضًا لأنها طيبة وودودة ونظيفة على نحو مذهل. . . . بعد مرور عام وفي صباح أحد الأيام، تسللت رائحة غريبة إلى كل الشرفات والنوافذ فى شارع يوسف كامل والشوارع المجاورة، استيقظ سكان الشارع على رائحة هادئة وجميلة تخيم على شارعهم، وعندما بدأ البعض في الخروج للشرفات والنوافذ لاستطلاع الأمر، وفي الحال اكتشفوا كل شيء، كانت الرائحة القوية للورد البلدي الذي رصّته صابرة بجوارها مصدرًا لبهجة غريبة انتابت كل الوجوه ودفعتها إلى الابتسام. في هذا اليوم استطاعت أن تبيع كل ورودها. منح الورد لوجودها شيئًا خاصًا جدًا. بدا أن روحًا أخرى تخيم على عادات الناس وحتى لقاءاتهم العابرة. هكذا بدأ الأمر مع صابرة، وبعد أن كانت تضع الورود على أقفاص وترشها بالماء كل وقت، استطاعت صنع تكعيبة أخرى من البلاستيك لتحتفظ فيها بباقات الورد البلدي، كما استطاعت إضافة أنواع جديدة كالفل والياسمين والقرنفل والريحان. وإلى جانب الطبقة الأرستقراطية التي تزايد استهلاكها من الورود إلى حد لم يكن متصورًا، فقد توطنت عادة شراء الورد لدى بقية سكان الحي، بعد أن كانوا يعتبرون هذا نوعًا من الترف. أحياناً كانت تبيع بالوردة الواحدة، أو الاثنتين، وأحياناً باقات صغيرة أو كبيرة. . . . تناثرت الأحاديث في الحي، بدأت على استحياء في أول الأمر، ولكن الأمر استفحل حد أنه أصبح باعثًا على القلق. ولما لم يكن بمقدور أحد أن يرصد بدقة مدى تأثير وجود مكان لبيع الورد، في تزايد حالات الحب بين شباب وفتيات الحي القديم، وإذا كان من الظلم اتهام مجرد بائعة مثل صابرة بالتسبب في هذا الوله بشراء الورود وبأعراض الحب التي بدأت تنتشر في البيوت والفيلات والقصور القديمة، والتي وصلت حد أنه لم يعد غريبًا ملاحظة الخروج المتتابع لفتيان وفتيات الحي إلى لقاءات تدور خارج نطاق الحي. وأصبح من العادي جدًا رؤية فتاة تخرج بكامل زينتها بوجه متورد وأثناء مشيها المرتعش بأعراض الحب، تلتفت إلى بيت تمر به في طريقها، هذا البيت الذي سيخرج منه بعد قليل ولد في مثل سنها يتبع خطاها، يتوقف قليلاً لشراء الورد من صابرة قبل أن يستمر في طريقه. لم يستطع أحد أن يؤكد لنفسه ولو في أحلام يقظته، أن امرأة غامضة وطيبة وفيها شيء لله كانت تبيع مجرد بطاطس وطماطم وخيار، وفكرت كشخص ناجح في تطوير عملها فأسست تكعيبة لبيع الورود ليس إلا، أن تكون المتسبب في كل قصص العشق التي انتشرت في شارعنا والشوارع المجاورة، والتي كانت تُذكر تفاصيلها الدقيقة بين الرجال في المقاهي المغلقة، وبين السيدات في محلات الكوافير، ووصلت حد أن إمام مسجد الحي القديم بدأ في توجيه رسائل غير مباشرة في خطبة صلاة الجمعة. هذا الخطيب الذي لم يكن بعيدًا هو الآخر عن هذه الأعراض التي حدث توافق خفي وغير مرئي تقريبًا على كتمانها. بدا الأمر في النهاية كمرض استوطن الحي القديم. بعض سكان الشارع اعتبروا أن كل ما يدور لا يعدو كونه مجرد ترهات وحكايات خيالية، حكايات تصل حد الهراء تقريبًا، كانوا يؤكدون ببساطة أن كل ما يجري كان يجري دائمًا وطوال الوقت، لكن أحدًا لم يكن لينتبه. أمر واحد فقط هو الجديد، حكاية واحدة بدت غريبة في الشارع وبسببها انتشرت كل هذه الخيالات ودفعت البعض لتصديقها! بدأت هذه الحكاية الغريبة بعجوز من عائلة "الدمراني" العريقة يدعى "سليم" يسكن قصرًا يقع في أول الشارع، ولسبب غامض بدأ العجوز في إرسال باقة ورد حمراء وكبيرة كل يوم، في تمام الثامنة صباحًا إلى فيلا السيدة "نرجس" الأرملة التي تعيش وحيدة. كما أمكن ملاحظة التأنق غير العادي الذي كان يبدو على العجوز "سليم"، وهو يجلس صباحًا وبصورة يومية على كرسي بجوار تكعيبة صابرة. . . . ولأن الأشياء لا تستمر هكذا دائمًا في سيرها البطئ والمنتظم كماء نهر، فقد كان من المتوقع في أية لحظة أن يحمل النهر في جريانه كارثة. هكذا ظهر الأستاذ مسعود موظف الإشغالات في الحي مدفوعًا من السيد مساعد الوزير، وهو في نفس الوقت الابن الأكبر الغاضب للسيد سليم، ظهر هكذا فجأة أمام صابرة، وبعد أن سألها عدة أسئلة حرر لها محضرًا باعتبارها تشغل رصيفًا عموميًا، فجلست صابرة أمام ورودها وخضراواتها وفاكهتها وأسندت رأسها على يدها. ولأن مسعود كان من النوع الذي يخشى هؤلاء الذين يظن أن فيهم "شيء لله"، فقد ظل طيلة اليوم مكدرًا تعلو وجهه كآبة. وقرر وهو يلوم نفسه أن يُصدّر المحضر لرئيس الحي ليقوم باتخاذ قرار الطرد. في مساء اليوم التالي، وبصورة أثارت دهشة السكان؛ ظهر المعلم حسان فجأة، وخلال ساعتين على الأكثر وعلى الجهة المقابلة من صابرة نصب أكبر تكعيبة للخضراوات والفاكهة عرفتها المنطقة وبرخصة رسمية موقعة من رئيس الحي شخصيًا. ولكن دون ورد كما قرر من دفعوه إلى عمل تكعيبته. وضع المعلم حسان كرسيًا أمام تكعيبته بمواجهة صابرة، وجلس وهو يدخن الشيشة ويدندن. وصابرة التي لم تكن تفهم أي شيء، وضعت يدها على رأسها كمن أصابه دوار، بعد ضربتين قويتين في الرأس وفي يوم واحد كبلته السحب الرمادية القاتمة فلم تظهر شمسه. ولأن الأشياء الصعبة التي لا تستطيع احتمالها واقفًا ربما يكون بإمكانك احتمالها جالسًا أو ممددًا، لذا فقد تمددت صابرة على جنبها ووضعت هذه المرة يدها أسفل رأسها وأغلقت عينيها. في موعد مبكر عن كل ليلة جمعت صابرة ما تبقى من خضراواتها وفاكهتها لتعود إلى البيت، بانتظار أن تعود في الصباح بسيارة تحمل تكعيبة الورد، كان البرق يضرب في السماء فتضيء للحظات، عندما توقفت سيارة السيد وكيل أول الوزارة أكبر أبناء العجوز الذي تزوج الأرملة الوحيدة، بسبب ورود الساعة الثامنة صباحًا. هبط السيد بتوتر شديد ، بدا سكرانًا لأنه كان يترنح قليلا، ولكن وجهه كان محملاً بغضب هائل، هكذا اندفع فجأة وحطم التكعيبة البلاستيكية التي تحمي الورد، فظهرت في النوافذ والشرفات وجوه مستطلعة تنظر بأسى، خرج أيضًا العجوزان سليم ونرجس من شرفة بيت نرجس لأن العجوز كان قد انتقل لفيلتها تاركًا لهم قصره. كان السيد يركل الورود ويدهسها بغيظ، ثم اقترب من صابرة التي انكمشت بجوار الحائط وقال بتشفٍ : هذه "العشة" القذرة لن تكون موجودة بعد اليوم، أفهمت!! تلفت السيد في الشارع بانتشاء، وتجاهل نظرات الاحتقار في العيون المستطلعة في كل الشرفات، كما تجاهل أباه والسيدة نرجس، رفع صوته فجأة متجاهلاً شتائم قاسية من أبيه: هذه المرأة لن تكون موجودة هنا أبدًا أبدًا! بكل قاذوراتها ووردها!! خرج صوت صابرة ضعيفًا دون أن تنظر إليه: يفعل الله ما يشاء أيها السيد المحترم. سأرحل صباحًا. اقترب منها مرة أخرى، ومال عليها وهي جالسة فانكمشت، بدا للجميع أنه سيؤذيها أو ربما يضربها، بالتأكيد سمع شتائم عنيفة أخرى من أبيه! في هذه اللحظة أمطرت السماء فجأة، فتراجع وهو يضحك ساخرًا.. وحتى لو أمطرت وردًا فلن تبقي هنا! استمر يضحك بصوت مرتفع، ثم استقل سيارته، واندفع مبتعدًا بسرعة مجنونة. في الصباح وفي اللحظة التي قالت فيها صابرة بانكسار للمعلم حسان إن سيارة ستأتي وتحمل حاجياتها، خرج الأستاذ مسعود من بيته متجهًا لعمله حاملاً محضر الإشغالات ليؤشر عليه رئيس الحي بالطرد، استقل باصًا ولأن الباص كان مزدحمًا فقد اضطر للوقوف متكدرًا. كما أقلعت من مطار أسوان طائرة تحمل شحنة ورد بلدي متجهة إلى باريس، وفي ذات اللحظة أيضًا ظهرت في الشارع مقطورة تحمل أطناناً من الأسمنت باتجاه فيلا جديدة يجرى بناؤها في الشارع. وعندما كان المعلم حسان يشرب الشاي ويدخن الشيشة وهو يرى صابرة تجمع أشياءها، قفز الأستاذ مسعود من الباص لأن المحطة قد فاتته فسقط على الأرض ومعه قرار الطرد. في هذه اللحظة خرج الجميع في الشرفات والنوافذ مذعورين على إثر الصوت الرهيب لاحتكاك عجلات مقطورة الأسمنت بالأسفلت، لأن سائق المقطورة بوغت بطفل يندفع من مدخل أحد البيوت، فقرر تفادي الطفل بأي طريقة وانحرف بمقطورته انحرافًا شديدًا، ليتجه مباشرة صوب تكعيبة حسان الذي انتفض واقفًا وعلى وجهه سيماء رعب. وعلى مشارف المدينة، أبلغ قائد الطائرة إدارة الشركة المصدرة بأن هناك خللاً فنياً في اتزان الطائرة، وأنه سيضطر إلى إسقاط شحنة الورود؛ فتلقى موافقة فورية بإلقائها في أي مكان. آه .. هكذا كان الأمر. ولأنه ليس ثمة معجزات تحدث الآن فقد استلقى الأستاذ مسعود لدقائق على الأسفلت قبل أن يعاود النهوض ليتجه رأسًا إلى مبنى الحي لتوقيع أمر الطرد، واستطاع سائق المقطورة تفادي الطفل والتكعيبة معًا، كما استطاع بصعوبة السيطرة على سيارته وهو يتحرك بانحراف سريع وحاد أمام تكعيبة المعلم حسان، كما أسقطت الطائرة شحنتها من الورد البلدي لتحملها تيارات الهواء وتلقي بها بعيدًا في الصحراء، حيث لم يكن بمقدور أحد أن يعلم أن السماء قد أمطرت وردًا فعلاً! لكل هذا فقد وضعت صابرة أشياءها على عربة "كارو" وجلست بجوارها، ومضت.