التفاوض هو موقف تعبيرى حركى قائم بين طرفين او أكثر حول قضية من القضايا يتم خلاله عرض وتبادل وتقريب وتكييف وجهات النظر واستخدام كافة أساليب الاقناع للحفاظ على المصالح القائمة أو الحصول على منفعة جديدة بإجبار الخصم على القيام بعمل معين أو الامتناع عن عمل معين فى اطار علاقة الارتباط بين اطراف العملية التفاوضية تجاه انفسهم او تجاه الغير، وتعتبر المفاوضات بأشكالها المباشرة والغير مباشره هي الأكثر شيوعا والمألوفة, لعقد مختلف المعاهدات والاتفاقات الدوليه, لحل النزاعات ومن المسلمات كأولى الطرق السلمية لفض المنازعات، في حالة ما اذا اتفقت الأطراف على أجندة الحوار والموضوعات المثارة بين الأطراف, والمفاوضات المباشرة الناجحة تؤدى الى تضيق شقة الخلافات وحل المنازعات اذا كانت القوى السياسية متكافئة, والنية السليمة.. أما اذا لم تكن متكافئة يؤدى ذلك الى ضرر للدولة الضعيفة, ففاعلية المفاوضات المباشرة تعتمد على توافر حد ادنى من تعادل القوى السياسية بين الطرفين المتفاوضين. يأتى جوهر "علاقة المساومة" فى نظرية المبارايات حول قضية المعلومات فإذا استطاع طرفى المباراة الاتفاق على تنسيق تصرفاتهما فبوسعهما الحصول على ناتج يتيح منفعة متبادلة لهما، وبالتطبيق على أزمة سد النهضة والتى بدأ صداها يزداد منذ أن أعلن رئيس الوزراء الاثيوبى مليس زيناوى بوضع حجر الاساس فى ال 2 ابريل 2011 دون الإخطار المسبق لمصر والسودان بالشروع فى بناء سد على النيل الأزرق بمواصفات لم يتم الاتفاق عليها . بدأ تحول بناء منشأ على نهر داخل حوض مشترك بين 11 دولة إلى أزمة بين ثلاث أطراف يسعى كل طرف منهم فى تحقيق مكاسب او تقليل خسائر مع الأطراف الاخرى وحتى تتضح صورة المباراه التى تتضمن ثلاث فاعلين أو اطراف داخلها لابد من توصيف العلاقة بين أطراف اللعبه وتحديد هيكل منافع كل طرف. يتلخص هيكل المنافع المصرية فيما يتعلق بمياه النيل هو تأمين حصة مصر من مواردها المائية والبالغة وفقاً لاتفاقية 1959 نحو 48 مليار م3، فضلاً عن الفائدة المائية من السد العالى والبالغة 22 مليار م3 توزع بين مصر والسودان بحيث تحصل مصر على نحو 7.5 مليارم3 وبالتالى يصبح إجمالى موارد مصر المائية الاتيه من خارج حدودها نحو 55.5 مليار م3كما أن إستراتيجية مصر تهدف إلى عدم المساس بتلك الحصة سواء ببناء اى منشأ مائى يؤثر على تلك الحصة او حتى بالتفاوض على تقليلها، بل والسعى نحو زيادة الحصة وفقاً لمحدودية الموارد المائية المصرية والتى تعتمد بالاساس على موردها من مياه النيل . يتمحور هيكل المنافع الاثيوبى فى تحقيق تنمية مستدامة فى ظل خطة النمو والتحول النوعى والتى بدأت فى الفترة (2005- 2010) كمرحلة اولى ومرحلة ثانية (2010- 2015) والتى ترمى إلى تحقيق طفرة تنموية هائلة على كافة الاصعدة وتنمية كافة قطاعات الدولة بشكل متوازى مع التركيز على تنمية القطاع الزراعى وتوليد اكبر قدر من الطاقة الكهرومائية بهدف تصديرها إلى دول الجوار من خلال انشاء مجموعة ضخمة من السدود على ضفاف أنهار الاحواض التى تشرف عليها داخل حدودها، والعمل الحثيث على تفعيل دور إثيوبيا كفاعل اقليمى مؤثر مع تقويض الدور الاقليمى المصرى فى الشرق الافريقي خاصة فيما يتعلق بقضايا مياه النيل والصراعات العرقية، والارتكاز على فاعليين دوليين مثل " الولاياتالمتحدةالامريكية"، " بريطانيا"، ووسطاء دوليين وسماسرة وخبراء مثل "اسرائيل – الصين" لتدعيم الدور الاثيوبى فى المنطقة وتنفيذ خططها التنموية من خلال المنح والقروض لدفع عجلة الاقتصاد الاثيوبى بل وقيامها بدور الوسيط النزيه فى الصراعات داخل افريقيا خاصة فى جنوب السودان. أما السودان فتعمل على مبدأ " المراقب الحذر والفاعل دون مواقف" فى صالح الانتفاع من كلا الطرفين دون الإلتفات إلى ما قد يخصها من خسائر مستقبلية فنظرتها إلى إثيوبيا كحليف لها ضد حركات التمرد فى غرب وجنوب السودان يجعلها تكون شريك لها بشكل انتفاعى للمشروعات التنموية التى تقام فى إثيوبيا فضلاً عن إعلان رئيس الوزراء الأثيوبي السابق "هايلي مريام"، أمام برلمان بلاده، عزم حكومته على شراء أراضٍ سودانية لتشييد ميناء نهري خاص بها لتسهيل عملية نقل البضائع وعملية التصدير والاستيراد من وإلى أثيوبيا. وتعد السودان الاداة المثلى للطرف الاثيوبى للضعط على مصر خاصة وان السودان دولة عربية مسلمة تتحدث اللغة العربية وهذا له تأثير فى تناول قضية السد فى الاوساط الدولية ان القضية ليست قضية لها مدركات ذهنية خاصة بالعقيده او اللغة او العرق. ومنذ بدء المفاوضات وحتى الان فإن ثمة حقيقه وهى أن بناء السد أصبح واقع فعلى فرضه الجانب الاثيوبى حيث تم الانتهاء من نحو 75% من إنشاء السد وقد تم البدء فى التخزين التجريبي للمياه والاستكمال فى شهر اغسطس من العام القادم وفقاً لتصريحات رئيس الوزراء الاثيوبى أبى أحمد، وبالتالى فإن المفاوضات الحقيقية لم تبدأ بعد فيما يتعلق بالتعويضات نتيجة الخسائر المحتمله على مصر بوجه الخصوص. د. محمد يوسف عبد المنعم