كان حريق محطة مصر، الشهر الماضي، بمثابة إنذار شديد اللهجة للحكومة بضروة تطوير السكة الحديد، والاهتمام بالعنصر البشري، بعد تكرار حوادث القطارات، وهو ما دفع الرئيس السيسي، بتكليف الفريق كامل الوزير خلفا للدكتور هشام عرفات وزيرا للنقل، بهدف تطوير كل قطاعات وزارة النقل وعلى رأسها هيئة السكة الحديد لتصبح هيئة متطورة، آمنة، نظيفة، ومنضبطة 2020. وأكد عدد من النواب وخبراء النقل أن تطوير السكة الجديد يبدأ بالاهتمام بالعنصر البشرى الذى كان سببا أساسيا فى كثير من الحوادث، إلى جانب مشاركة القطاع الخاص بالتطوير والإدارة وإنشاء موانى وخلافه، وتطوير البنية الأساسية. إعادة هيكلة قال النائب سعيد طعيمة، عضو لجنة النقل بمجلس النواب، إن السكك الحديد تواجه تحديات وخسائر عديدة قد تم الإعلان عنها مرارا، لافتا إلى أن هناك تشريعا قائما للسكة الحديد معنى بتدخل القطاع الخاص فى الهيئة بهدف الإصلاح والصيانة وتعويض الخسائر، وتغليظ العقوبات فيما يخص التهرب من التذاكر، خاصة أن الأزمة تكمن فى عدم تطبيق القانون، وارتفاع تكاليف الصيانة ورواتب العاملين وخلافه. وأوضح أن السكة الحديد بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة، خاصة أن القطارات والمزلقانات الموجودة لا تتناسب مع الوقت الراهن، إلى جانب عدم وجود نقل بضائع مثلما كان موجودا بالسابق. وتابع عضو مجلس النقل، أن خسائر السكة الحديد بلغت نحو 7 مليارات جنيه العام الماضي، بسبب الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصروفات، أى مليون ونصف المليون جنيه يوميًا، وتحتاج إلى 45 مليار جنيه لإنقاذها وتحديث المنظومة، مؤكدًا أن مشاركة القطاع الخاص يساهم بشكل كبيرة فى إنهاء الأزمة، وتطوير المنظومة، كونه أنجح فى الإدارة من القطاع العام، مشيرًا إلى أنه لم يؤثر ذلك على ارتفاع أسعار الخدمة فى ظل وجود تشريعات ومنظومة قوانين مناسبة، مشددا على ضرورة، تطبيق القانون على الجميع، وعدم فرض رسوم على القطاع الخاص حتى لا يقوم باستغلال المواطن فيما يخص التلاعب بالأسعار، ولفت إلى القطار المكهرب المخطط إنشاؤه لربط مدينتى المنصورة الجديدة ودمياط الجديدة بمدينة المنصورة القديمة، لا ينجح إلا بمشاركة القطاع الخاص أيضا. الاهتمام بالعنصر البشري بينما أكد الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، أن الاهتمام بضبط العنصر البشرى وإعادة هيكلة وتشكيل الموارد البشرية جنبا إلى جنب بالإضافة لتطوير البنية الأساسية من التجهيزات الخاصة بالمرفق أولى النهوض بالهيئة، قائلا: أن هذا الأمر أكد عليه الوزير الحالى كامل الوزير فى سياسته الجديدة "منظمة الإنضباط"، من خلال جولاته التفقدية ومتابعاته لما يحدث فى هذا الشأن، وهو الأمر الذى يُحدث نقلة وضبطة نوعية داخل مرفق السكة الحديد، الذى كان فى المرتبة الثانية بعد المملكة المتحدة. وأضاف، منذ الولاية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي، ويتم رصد الاستثمارات الخاصة بالهيئة، والتى تجاوزت حتى الآن ال60 مليار جنيه، لافتا إلى أن الدولة قامت بتطوير البينة الأساسية، من خلال تعاقدات جديدة بشراء جرارات وعربات لنقل الركاب والبضائع، إلى جانب التعاقد على إصلاح 81 جرارا موجودة لدى الهيئة كانت بحاجة إلى قطع غيار لإعادة تشغيلها. وأوضح مهدي، أن العنصر البشرى كان سببا فى كثير من الحوادث، وكان أخرها حريق محطة مصر الشهر الجاري، وهو الأمر الذى جعل الحكومة تقوم بحملات للكشف عن تعاطى المخدرات، خاصة أن السكة الحديد تشهد ترهلا فى العمالة تتجاوز 72 ألف موظف ومهندس وعامل، بحاجة إلى رواتب وخلافه، مشددًا على ضرورة توظيف تلك العمالة بشكل سليم ليتم الاستفادة منها، مؤكدًا أن رواتب العاملين بالسكة الحديد تبلغ 3 مليارات و400 مليون جنيه فى العام الواحد، وأن دخل الهيئة من نقل البضائع والركاب لا يتجاوز ال 3 مليارات، ولتوفير رواتب العاملين تضطر الهيئة الادانة من الدولة ب 400 مليون جنيه فى العام، بالإضافة لتكاليف الصيانة والسولار والتشغيل وخلافه، الأمر الذى أحدث ازمة كبيرة فى المرفق، وجعلته يتداين للدولة ب 55 مليار جنيه. وأشار إلى أن الدورة البرلمانية الماضية لمجلس النواب أقرت مشاركة القطاع الخاص، وصنف لأول مرة فى تاريخ هيئة السكة الحديد للقطاع الخاص بالدولة فى شراكة، على أن يشترك القطاع الخاص فى وضع استراتيجيات الإدارة، ووضع خطوط جديدة لنقل البضائع، وليس خصخصة كما يظن البعض. وتابع، يمكن للقطاع الخاص ان يشارك فى إنشاء موانى جديدة للاهتمام بسياسة البضائع، خاصة الاهتمام به ضرورة لتطوير نقل الركاب. وأوضح استاذ فلسفة الطرق، أن نقل البضائع هو مصدر التمويل لجميع دول العالم، وضرورة الاهتمام به كسابق عهده فى خمسينيات القرن الماضي، عن طريق "نقل متعدد الوسائط"، على أن يكون للهيئة أسطول نقل بري، يصبح تمويلها ذاتيها دون تحميل عبء على موازنة الدولة، خاصة أن نقل البضائع غير مدعوم من الدولة وتمثل 40% من ثمن السلع، الأمر الذى يحدث بارقة الأمل، ويقلل الحمولات على الطرق، خاصة بعد استحواذ النقل البرى على 96.6% من إجمالى البضائع المتداولة على مستوى الجمهورية، مشيرا إلى أن حديث الوزير الحالى عن تطوير منظمة السكة الحديد لا يكلف الدولة شيئا، فهو شئ جيد خاصة فى ظل الاتجاه نحو الاستثمار والتطور والنهوض بالهيئة، وفى ظل تفشى البيروقراطية التى تعطل التطوير، قائلا: نأمل أن تسير الأمور نحو الأفضل، وسقف الطموح لدينا عال، فى ظل الاستعانة بخبراء متخصصين كل فى مجاله، لكى يؤدى كل منهم عمله بشكل جيد، وإذا استمرت حركة القطارات فى موعدها، وبخطوط آمنة فنحن نسير نحو الأفضل ولكن الأمر يحتاج لمزيد من الوقت فى عملية التطوير. نظام جودة بينما قالت الدكتورة ناهد يسري، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات، إن الإصلاح الجيد يبدأ بمعرفة أسباب التدهور والعمل على معالجتها، وتدار المنشأة وفقا لأعلى معايير الجودة، وهو طريق بدوره يؤدى إلى تقليل النفقات، لافتة إلى أن معظم الدول المتقدمة اتجهت منذ بداية القرن العشرين إلى وضع وتطبيق نظم تأكيد وإدارة الجودة، التى تطورت مع الوقت بتطور الصناعات والمؤسسات، وهى صادرة عن المنظمة الدولية للمواصفات القياسية المعروفة اختصارا بISO، ومقرها جنيف. واضافت أن مصر بدأت فى تبنيها فى الثمانينيات، وتتضمن تلك النظم عدة بنود رئيسية يجب أن توفرها الهيئة أو المؤسسة، وتلزم جميع العاملين بها بالتطبيق، خاصة أنها تعمل وفقا لإجراءات وتعليمات عمل مكتوبة وموثقة لكل مهمة أو عمل وتضمها وثيقة دليل الجودة، وتحدد تلك الوثيقة، التى هى بمثابة عقد ملزم، متطلبات النظام، ومن منها: مسئولية الإدارة بالتفصيل، مراجعة إبرام العقود ووصف الخدمات، تصميم المنتج أو الخدمة، ضبط وقياس عملية الإنتاج أو تقديم الخدمة لمنع الخطأ أو عدم المطابقة، ضبط المواصفات وسجلات الجودة وتحقيق إمكانية التتبع لكل منتج أو خدمة، إلى جانب التدريب السنوى لكل العاملين، لافتة إلى أن تلك البنود تتضمن إجراءات وتعليمات عمل مفصلة لجميع العمليات اللازمة للنشاط، كما تضم إجراءات وتعليمات عمل النظافة والصيانة الوقائية للمعدات بشكل أساسى. وشددت يسرى على ضرورة استخدام نظم إدارة الجودة فى كل مجالات الإنتاج والتشغيل، كونها خطوة مهمة تؤدى إلى وجود قطارات جيدة وآمنة، خاصة بعد انتشار الحوادث وتردى خدمات القطارات الذى ترافق مع خصخصة السكك الحديدية. وأكدت أن مواصفات الأيزو الصادرة حديثا تساعد السكك الحديدية حول العالم للوصول إلى مستوى أفضل من التنمية المستدامة. واوضحت أن الأيزو فى هذا الاتجاه "المواصفات العالمية للسكك الحديدية IRIS، الصادرة فى عام 2006، التى حصلت معظم الشركات والدول المتقدمة على شهادة التأهيل الخاصة بها، نحو 1500 شهادة فى 50 دولة على مستوى العالم، منها البرازيل والهند وجنوب إفريقيا وعدد من دول شرق آسيا. كما توجد أيضا المواصفة الأوروبية UNIFE. وتلك الأخيرة بدورها معتمدة على أحدث مواصفة ل ISO 9001، الصادرة فى عام 2008. وتابعت أن منظمة الأيزو أصدرت خلال الأعوام القليلة الماضية، على الكثير من الوثائق اللازمة لتطوير نظم جودة السكك الحديدية، والتى تتطلب التركيز على الجودة فى كل خطوة من الخطوات، مع تقسيم الخدمة إلى ثلاثة أقسام: "البنية التحتية إدارة المخزون والعمليات والخدمات". وساهم فى كتابة تلك الوثائق 35 مصنعا، و11 متخصصا من خبراء فى وضع المواصفات، ومن أهم مميزات هذه المواصفة التركيز على الأمان وإدارة المشروعات، مما يجعلها واجبة التطبيق فى مصر، بالإضافة إلى ما ينتج عن التطبيق من خفض لتكاليف التشغيل، وفقا لرأى چيل شوپار جيومون، خبير فرنسى فى نظم الجودة وأحد أهم المشاركين فى وضع المواصفات القياسية. مؤكدة أن تكاليف التأهيل والحصول على الشهادة ليست مرتفعة قياسا بتكاليف خسائر الحوادث.