تشهد مصر تحوُّلات جذرية واسعة على كل المسارات والمستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، خاصة أن النظام يدرك جيدا أهمية وسائل الإعلام فى توجيه الرأي العام، وصناعة المواقف، إلى جانب دورها المتطور كإحدى أهم وسائل الحشد والتعبئة، ودخول وسائل التواصل الإجتماعي على الخط باعتبارها منصات لتداول الأخبار والقضايا الصحفية والإعلامية، والتى تتميز بتفاعل لحظي لكن الواقع يعكس صورة مثيرة للقلق، حيث حالة التقييد للحريات وانخفاض السقف بصفة عامة وغلق المجال الإعلامي والمصادرة والمنع والحجب والسيطرة، ويحدث ذلك فى ظل انكار السلطات المشاكل التي تواجه الحقوق والحريات، وخاصة حرية التعبير والإعلام والصحافة، فقد ظهرت أساليب جديدة لتقييد الإعلام الالكتروني بالتحديد عبر أداة الحجب، دون الإعلان رسميا عن الجهة المسؤولة عن ذلك الإجراء أو الأسباب القانونية، ووصل عدد المواقع الأخبارية الالكترونية المحجوبة إلى أكثر من 100 موقع، شملت مواقع إخبارية وحقوقية ومدنية ورياضية. تقرير إعلامى أصدر المركز المصري لدراسات السياسات العامة، تقريرا عن أفق الإصلاح للإعلام، وأوضح التقرير أن الإعلام يعاني من مشاكل عديدة، فى الجانب التشريعي والسياسي والاقتصادي، والممارسة الإعلامية. وتأتي القوانين المتعلقة بالأداء الإعلامي والصحفى غير متماشية مع الضمانات الواردة فى الدستور، وتتدخل السلطة التنفيذية فى عملهم بطرق مباشرة وغير مباشرة، ورصد التقرير انخفاض سقف الحرية المتاح لممارسي المهنة وملاحقة المخالفين لوجهة النظر الرسمية بالعقاب الذي يصل إلى حد المنع من السفر والحبس، ومحاولة تقنين المحتوى على شبكة الإنترنت وإخضاعه لسيطرة الدولة، ومنع طباعة الصحف واختيار محتوياتها، كما يأتي هذا فى ظل تأثير الأزمة الاقتصادية على الجميع، وفوضى الأداء الإعلامي مع غياب وعدم تفعيل مواثيق الشرف المهنية، والتأخير فى إصدار القوانين المنظمة للصحافة والإعلام المكملة للدستور.. وشملت التوصيات التي اقترحها المركز لحل المشاكل، "إلغاء المواد التي تضع عقوبات سالبة للحرية فى قضايا النشر والعلانية، تماشيا مع نص الدستور" و" إلغاء المواد التي تنص على جريمة إهانة رئيس الجمهورية، والمؤسسات مثل الجيش والمحاكم والهيئات"، بالاضافة الى إعادة النظر فى نص المادتين 21 من قانون تنظيم الصحافة، و 185 من قانون العقوبات، وإعادة صياغتهما بحيث لا تتعارضان، وبحيث يتم توفير الحماية لمطلقي صافرات الإنذار أو المبلغين عن الفساد، علاوة على سرعة الانتهاء من القوانين المكملة للدستور ذات العلاقة بحرية التعبير، وهي قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وقانون الوصول للمعلومات وذلك بعد طرحهما للمناقشة المجتمعية واستشارة أصحاب الشأن والجمهور العام فى نصوصهما. وأوصى التقرير كذلك بإحالة سلطة الترخيص بإنشاء قنوات فضائية إلى هيئة مستقلة لا تتبع وزارة الاستثمار أو أي جهة تنفيذية أخرى، مع وضع معايير واضحة لرفض أو قبول أو سحب ترخيص القنوات، إضافة إلى تعديل القوانين التي تنص على سرية المعلومات والوثائق الحكومية بحيث تتماشى مع المعايير الدولية للحق فى الوصول إلى المعلومات وعدم التوسع فى قرارات حظر النشر، خاصة فى القضايا التي تهم الرأي العام وقضايا الفساد، وتفعيل المادة 17 من قانون تنظيم الصحافة والتصدي لظاهرة الفصل التعسفى للصحفيين، والعمل على إيجاد حل للمشكلات المالية التي تواجه الصحف الورقية فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية، كذلك طرح خطة إعادة هيكلة اتحاد الإذاعة والتلفزيون للحوار المجتمعي وبالتشاور مع العاملين فيه أنفسهم لضمان حقوقهم المادية، والنظر إليها باعتبارها جزءا من خطة متكاملة لإعادة هيكلة وسائل الإعلام والصحف المملوكة للدولة، بدءا من تناولها فى قانون تنظيم الصحافة والإعلام المطروح للنقاش حاليا، والعمل على توفير الاستقلالية لها بحيث تكون وسائل مملوكة للشعب، وليس للنظام وتعبر عن وجهة نظره. الطبقة المتوسطة وارجع القيادى بحزب التجمع والأمين المساعد للشئون السياسية "هانى الحسينى" انخفاض سقف الحريات الى عدة عوامل منها تهميش الأحزاب السياسية، فمهما كانت وجهة نظر النظام أو الجمهور فى قيمة ودور الأحزاب لكنها حقيقة موجودة محليا وعالميا، بالإضافة إلى أن الأحزاب فى النهاية اداة للتعبير، فعلى سبيل المثال "حزب التجمع" كنوذج يعبر عن مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية يراها جزءًا كبيرًا من المجتمع "الطبقة المتوسطة" ويطالب بحقوقهم على كل المستويات، وفى حدث اقتصادى مثل اتفاقية صندوق النقد والتى انعكست على ارتفاع الاسعار وثبات الاجور وتحويل الدعم شيئا فشيئا الى نقدى والذى لا يطبق بشكل مقبول،اصدر التجمع رؤية عبرت عن الناس فى هذا الحدث، اذن تهميش الاحزاب يحد من حرية التعبير وحرية التداول السياسى بين السلطة والمجتمع، واذا كانت السلطة ترى ان الاحزاب ليس لها اهمية فعليها ان تصدر قرارا يقول ذلك. واشار" الحسينى" الى عدم قدرة الاحزاب فى الوقت الحالى على عقد اى مؤتمر جماهيرى فى الشارع من تلقاء نفسه الا بالرجوع الى الجهات الأمنية للموافقة ومع ذلك يتم الرفض او التأجيل تحت اى مبرر، وهو مايؤكد الحرص الامنى الزائد تجاه اى مسيرات او مؤتمرات حتى وهى سلمية ويعكس عدم قدرة الجهاز الامنى على التقييم المناسب للمواقف، وان كان من الضرورى أن يكون لدى هذه الاجهزة الامنية كفاءة سياسية اعلى من الكفاءة الامنية للتعامل مع المواقف بعيدًا عن تقييد الحريات. واضاف ان الاعلام نفسه اصبح اعلام الخط الواحد بنسبة 95 % رغم ان هناك قطاعا كبيرا من الشعب من حقه الحصول على المعلومات بدلا من اللجوء الى اعلام اخر مغرض وهو ما يتطلب التنويع بعيدا عن الاستحواذ الذى اضعف الكفاءة المهنية واثر على قناعات الناس ففقد مصداقيته. مواد الدستور وترى دكتورة "كريمة الحفناوى" الناشطة السياسية والأمين العام للحزب الاشتراكى المصرى، وعضو جبهة الانقاذ الوطنى، أنه من قبل عام 2018 وبعد اقرار الدستور وهناك انخفاض ملحوظ فى سقف الحريات، خاصة فى ظل استمرار قانون التظاهر الذى رغم اجراء بعض التعديلات عليه فاننا مازلنا نتحفظ على وجوده لانه يقيد الحرية التى يمنحها ويكفلها الدستور، فهناك على سبيل المثال لا الحصر المادة"65" من الدستور والتى تنص على ان حرية الفكر والرأى مكفولة لكل انسان بالقول او الكتابة او التصوير او غير ذلك من وسائل التعبير، والمادة"67" التى تقول بحرية الابداع الفنى والمواد " 68،69" عن حرية النشر والصحافة كلها مواد تكفل الحريات وتنص على انه لا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريقة النشر او العلانية كالمصادرات او الاعتقالات، علاوة على مادة" 71" التى تشمل نفس المضمون وبناء عليه يفترض ان تكون العقوبة فى جرائم التحريض على العنف او التمييز بين المواطنين او الخوض فى اعراض المواطنين واى شىء غير ذلك فهو مخالف للدستور بشكل اساسى. واكدت "كريمة"، ان الاعلام اصبح اعلام الصوت الواحد الذى يعمل على تسويق سياسات الدولة وهو وضع غير مقبول فى ظل الفضائيات المفتوحة وثورة التكنولوجيا التى يعيشها العالم بأكمله، ولكننا نعيش حالة تكميم للافواه وما نريده هو الشفافية والمصداقية والمناقشة المجتمعية حتى يكون لدنيا حائط صد لمواجهة الخارج وما يعرضه لنا، والذى قد يكون منه السليم ومنه الغرض. واشارت "كريمة"، إلى أن حالة التضييق والتقييد شملت ايضا الواقع السياسى والاحزاب، فلم يعد هناك حرية الاجتماعات او المؤتمرات السلمية داخل الاحزاب والتى من حقها ان تعبر عن افكارها وارائها ولكن على مدار هذه العام تدخل الامن عشرات المرات ومنع الكثير من المؤتمرات والمسيرات السلمية تحت اى مسمى وليست السياسية منها فقط حتى اصبحت "الظروف الامنية" كلمة حق يراد بها مصادرة اى شكل من اشكال التعبير عن الرأى رغم التزام الاحزاب بشرط الاخطار المسبق للمسيرة وكل ذلك مجرد مبررات امنية من اجل المنع والمصادرة على الحريات، حتى اصبحت المؤتمرات تعقد فى غرف مغلقة ولا تصل للشارع ولم يعد لدينا عمل جماهيرى ثم يقال ان لدينا احزابا كرتونية، هذه الاحزاب التى منعت من عرض افكارها فى الاذاعة والتليفزيون حتى لو بمساحة زمنية محدودة كى تصل للناس ولكن ما تريده الدولة هو الحزب الواحد الموالى للنظام، كما ان محاربة الارهاب ليست مبررا للمصادرة، ففرض على الطوارئ فى سيناء مقبولا لمواجهة هذا الارهاب ولكن لماذا تفرض على مصر كلها؟! الهاجس فيما يرى القيادى بحزب الكرامة"أمين إسكندر" أن 2018 هو عام "إعدام الحريات" فى مصر، فعندما نسمع ان لدينا 107 أحزاب ونتساءل اين هم؟ من احداث الواقع، والسبب هو المناخ السائد فى البلد، عندما نتحدث عن كافة وسائل الاعلام وتكتشف ان المساحة الوحيدة للشخص هى صفحته على الفيس بوك، واكد ان هناك منعا متعمدا للمعلومات فليس من السهل والمتاح ان تحصل على اى معلومات حقيقية تحتاج اليها عن مثلا "ازمة الاقتصاد المصرى" واذا نجحت ان تحصل عليها بجهود فردية تكتشف عن وجود من يحاورك حول الموضوع على صفحات الصحف عن تلك المأساة، المناخ نفسه تم وأده، بداية من منع تداول المعلومات مرورا بغياب الاعلام ثم المسرح والسينما وكل ذلك مقصود ومخطط له حتى وصلنا للخطاب الاوحد دون مناقشة، ويمكن ان نطلق على ما وصلنا اليه حالة من التسحر العمدى بسبب وجود هاجس اسمه "عودة الجماهير للثورة" مايؤكد اننا امام مشكلة كبيرة. المهنية من جانبه، شدد الاعلامى "محمد الطوبجى" المذيع بقناة العائلة بقطاع القنوات المتخصصة بماسبيرو على ضرورة ان نفرق بين الاعلام الحكومى والخاص كى نتمكن من تحديد مساحة الحريات، فعلى مستوى الاعلام الحكومى لم يتم مصادرة اى برنامج او ايقافه ولكن هناك برامج تم تحويلها من "هواء" الى "مسجلة" وذلك لوجود اخطاء فيها وهى رؤية ووجهة نظر للقيادات وان كنت اختلف مع هذه الرؤية، وفى رأيى ان التليفزيون الرسمى لدية من المهنية ما يمكنه من التعامل مع الاحداث والتطورات فى المجتمع، مع الاخذ فى الاعتبار ان الظروف اختلفت من عام 2011 عن الان فيما يخص فكرة عرض الرأى والرأى الآخر حيث انه من المهم اختيار الضيوف التى تعرض وجهة النظر المطلوبة دون الوقوع فى اى اخطاء غير مقبولة يتحملها المعد الذى قد يكون فى بعض الحالات لا يعرف حتى شكل الضيف! ازدهار ثقافى «أى ازدهار ثقافى لا يمكن ان يتم دون ارتفاع فى سقف الحريات وهذه قاعدة عامة تنطبق على مصر والعالم المحيط بنا» بهذه العبارة بدأ الروائى «حسام عقل» رأيه موضحا انه لا يمكن ان يزدهر اى نشاط ثقافى من مطبوعات وكتب وآليات تنظيمية وجهد للكيانات المدنية او المؤسسية الا اذا كان هناك فضاء مواكب من الحريات وبالتالى عندما يحدث اى انخفاض فى سقف تلك الحريات فمن الطبيعى ان يتراجع النشاط الثقافى. واضاف «عقل» انه فى الستينيات دار حوار بين المسئولين المصريين ووزير الثقافة الفرنسى انذاك «أندريه مارلو» فى زيارة له الى مصر معناه ان الانسان الكافى على ركبتيه لا شرف له مهما كانت معتقداته ودعواته، وكانت هذه بمثابة دعوة للمثقفين ووزارة الثقافة المصرية لرفع سقف الحريات اذا ارادوا نشاطا ثقافيا مزدهرا، مؤكدا انه كل قلم يقصف، وكل مكتبة تغلق وكل موقع يحجب هو خصم من رصيد النشاط الثقافى. ويقول «ارى ان من المعالم الملازمة لنا عام2017 واستمرت لعام2018 هو انخفاض سقف الحريات وهو ما اثر على المنتج الثقافى بوجه عام سواء القصص او الدواوين او المسرحيات وحتى الدراما التليفزيونية والخطاب السينمائى، وعلى المسئولين بصناعة القرار الرجوع خطوة للوراء ورفع السقف مجددا اذا ارادوا ازدهارا ثقافيا». واوضح «عقل» ان هناك مظاهر تجليات كثيرة لتغييب الفكر والعقل منها ما حدث لبعض المكتبات وحجب لبعض المواقع وايقاف لبعض المقالات،حتى الدراما لم تسلم من ذلك حيث فوجئنا بغياب خمسة مسلسلات تم منعها من العرض قبل السباق الرمضانى دون اى مقدمات او اسباب ما تسبب فى تراجع الدراما المصرية، ونفس الامر للسينما حيث يعانى السينمائيون من هيمنة الرقيب، الاعلام كله فقد رصيدا كبيرا من ريادته فى وقت بدأت تنتقل فيه أزمة الريادة الى عواصم واطراف اخرى والسبب الاساسى هو قضية الحريات. وطالب القوى الناعمة والنخبة بضرورة السعى لاستعادة سقف الحريات، فلابد ان يتفق المثقفون على قواسم مشتركة لان هناك انشقاقات كثيرة بينهم بسبب تباين الرؤى الأيديولوجية او بسبب مواقف سابقة او سياسات معينة فى النشر او فى توزيع الكتب وبالتالى لابد الاتفاق فيما بينهم اولا على ان يتلاحموا صفا واحدا ثم يكون هناك قواسم مشتركة فى صدارتها قضية الحرية للجميع، وهذا يقتضى ان يتجمعوا من اجل عقد اجتماعى جديد يصيغ ويرسم ملامح المستقبل، وقد يحدث ذلك من خلال وضع بيان مشترك ليكون بين يدى صانع القرار، فى هذه الحالة سيظهر المثقفون بدور مسئول يدافع عن قضية الثقافة والحرية.