الجيش الأمريكي: مدمرة أمريكية تعترض سفينة ترفع العلم الإيراني حاولت الدخول إلى أحد مواني إيران    على غرار غزة، صور فضائية تكشف "محو" بلدات في لبنان    عامل ينهي حياة زوجته وابنته داخل شقة بمنطقة المنيب    لقطات مرعبة لمقتل ملكة جمال في المكسيك على يد حماتها ب 12 رصاصة (فيديو)    إيران تعلن احتجاز سفينة للاشتباه في تعاونها مع القوات الأمريكية    حياة كريمة فى الغربية.. تجهيز وحدة طب الأسرة بقرية كفر دمنهور.. والأهالى: حققت أحلامنا    رعدية ومتوسطة، الأرصاد تحذر هذه المحافظات من أمطار اليوم    البرلمان الإيراني ينفي استقالة قاليباف من رئاسة الوفد التفاوضي    25 أبريل 1982| يوم استرداد سيناء.. "أعظم ملحمة بطولية في التاريخ الحديث"    بعد عودتها بأغنية جديدة، شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند    نماذج استرشادية في العلوم لطلاب الإعدادية بالقاهرة استعدادًا للامتحانات    الهروب الكبير.. هروب عدد من نزلاء أحد مراكز علاج الإدمان بكرداسة    «صحة المنوفية» تضع اللمسات الأخيرة لاعتماد مخازن الطعوم وتطوير سلسلة التبريد    إنقاذ مريض بعد توقف قلبه 6 مرات داخل مستشفى قلين بكفر الشيخ    في ذكرى تحرير سيناء ال44.. مراقبون: الخطر قائم ومنطقة عازلة قد تُستخدم لتهجير غزة    مجلس التعاون الخليجي: الاعتداءات القادمة من العراق انتهاك صارخ للأعراف الدولية    منة شلبي تخرج عن صمتها بعد وفاة والدها.. ماذا قالت؟    محمود ياسين جونيور: مسيرة الهضبة تستحق أن تدرس وتوثق دراميًا    «الوثائقية» تحتفي اليوم بذكرى تحرير سيناء بمجموعة من الأفلام الوطنية    بلوزداد يلحق باتحاد العاصمة في نهائي كأس الجزائر    القبض على 5 متهمين بحوزتهم تمثال أثري نادر في البدرشين أثناء التنقيب عن الآثار (صور)    الصحة اللبنانية: 6 شهداء إثر غارات إسرائيلية على جنوب البلاد    الثلاثاء المقبل | انطلاق ملتقى التوظيف الرابع بكلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة    "قف وتحدث"! … الصحافة الأوروبية تسخر من السيسي .. حاول حشد دعم أوروبي إضافي بابتزاز ملف الهجرة و(اللاجئين)    عميد تجارة طنطا يستغيث بالمحافظ من انتشار القمامة وتأثيرها على صحة الطلاب    الباحثة شيماء فرج: البكتيريا سلاحي لإعادة استخدام مياه الصرف    تهشم سيارتين إثر انهيار أجزاء من عقار قديم بالإسكندرية دون إصابات    زوجة ضياء العوضي تعيد صفحته على"فيس بوك" وتتولى إدارتها وتؤكد إقامة عزاء له    ضبط المتهم بقتل شاباً ب «فرد خرطوش» بالإسماعيلية    فرحات يكشف: الجبهة اللبنانية جزء من استراتيجية إسرائيل لإعادة تشكيل التوازنات    اليونيسف: نزوح أكثر من 390 ألف طفل في لبنان وسط تصاعد الأزمة الإنسانية    أسعار الذهب اليوم في مصر.. تحركات محدودة وترقب للأسواق    مبابي | الغزال الفرنسي يُكمل مباراته رقم 100 مع ريال مدريد    الجهاز الفنى للمصرى يحتفى بعودة ياسر يحيى عضو مجلس الإدارة بعد رحلة علاجية    سلطان مملوكي بناه بمكان سجنه| «المؤيد شيخ».. جامع المحاسن    استمرار المديح والذكر فى ليلة مرماح الخيول بقرية المنصورية بأسوان    بمساهمة سعودية.. لانس يحيى آماله في اللقب بتعادل قاتل أمام بريست    وصل للهدف ال 100.. دي بروين يقود نابولي للفوز على كريمونيزي    الدولة تطرق أبواب الجنوب.. حلايب وشلاتين في قلب الوطن    اللون التركواز.. الزمالك يكشف عن طاقمه الثالث    بيراميدز يتقدم باحتجاج إلى اتحاد الكرة ضد طاقم حكام مباراة الزمالك    مسؤولة سابقة بالبنتاجون: تباينات أمريكية إسرائيلية بشأن استمرار الحرب.. والقرار النهائي مرتبط بترامب    الأعلى للشئون الإسلامية ينظم معرضًا للكتاب بمسجد السيدة نفيسة    نشرة الرياضة ½ الليل| سقوط الإسماعيلي.. الأهلي يستعد.. إصابة خطيرة.. قمة حمراء باليد.. وميداليتين لمصر    «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ»    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    بسم الله أرقيك يا وطنى    لحظة تكريم خالد الصاوي ورياض الخولي في مهرجان المركز الكاثوليكي ..فيديو    الرئيس السيسى وكريستودوليدس يبحثان ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية    «حوكمة بني سويف» تنفذ 139 زيارة مفاجئة على المصالح الحكومية والمديريات    الببلاوي يلتقي بأهالي قنا الجديدة ويستمع لمطالبهم في لقاء مفتوح    محافظ أسوان يعطى إشارة البدء لموسم حصاد القمح 2026    توريد 5120 طن قمح لمواقع التخزين والصوامع الدقهلية    مدبولي يستعرض جهود اللجنة الطبية العليا والاستغاثات بمجلس الوزراء    وزير الزراعة يهنئ الرئيس والقوات المسلحة بمناسبة الذكرى ال 44 لتحرير سيناء    ربط الوحدات الصحية بشبكة إلكترونية موحدة لتسجيل بيانات المرضى    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جارودي وأساطير إسرائيل المفكر الذي قال لأوروبا إن إسرائيل لا تختلف عن النازية رفض الاعتراف بأن هناك جنساً يهودياً نقياً
نشر في الأهالي يوم 20 - 06 - 2012

توفي قبل أيام المفكر الفرنسي «روجيه جارودي» عن تسعة وتسعين عاما وكان قد بدأ حياته السياسية والفكرية عضوا بالحزب الشيوعي الفرنسي، وقدم في هذا السياق مجموعة من الكتب التأسيسية كان من أبرزها «نظرية المعرفة» الذي شرح فيه الأساس الماركسي لرؤية العالم «وواقعية بلا ضفاف» وهو كتاب تأسيس في النقد الأدبي وحين اختلف مع الحزب الشيوعي الفرنسي بسبب ادانته لغزو الاتحاد السوفيتي لسيكوسلوفاكيا سنة 1968 فصلوه و مارس العمل السياسي مستقلا قبل أن يدرس الثقافة العربية الإسلامية ويعلن إسلامه منذ أكثر من عشرين عاما ويتخذ لنفسه اسم «رجاء جارودي» ويتزوج مسلمة حيث أسرته تجربة الإسلام الحضارية في الأندلس وكتب في هذا السياق كتابا مهما عن «قرطبة عاصمة الروح» ودورها في إثراء الحضارة والتنوع الإنساني.
لكن جارودي لم يتخل عن منهجه الماركسي في التفكير وحين سقط الاتحاد السوفيتي كتب كتابا صغيرا عن «الذاكرة» دافع فيه بحرارة عن الثورة البلشفية ومنجزاتها وقدمت له مجلة «اليسار» آنذاك ترجمة شاملة.
وانطلاقا من مؤازرته لحركات التحرر العالمي وحركة تحرير الشعب الفلسطيني كتب «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» وقدم بسببه للمحاكمة للمرة الثانية وكانت القوي الصهيونية قد احتشدت احتشادا هائلا في «باريس» عاصمة النور لتبين للقضاة الذين يحاكمون المفكر الفرنسي «روجيه جاروي» لأول مرة أن نفوذها في فرنسا وفي العالم أجمع وأوسع وأقوي من أن يتحداه أحد… بل وقد طال هذا النفوذ أو لنقل التأثير اللاواعي بعض الكتاب العرب الذين أخذوا يدينون مساندة المنظمات العربية «لجارودي» لأن جارودي في زعمهم معاد للسامية وكأن العداء للسياسة الصهيونية هو بالضرورة عداء لليهود.
وكانت هذه القوي الصهيونية قد أثبتت مرتين خلال عقد ونصف العقد من الزمان أن نفوذها أوسع وأقوي فعلا من كل صور التحدي.
وكان «جارودي» في المرتين هو الهدف في المرة الأولي عام 1982 لدي غزو اسرائيل للبنان وهو الغزو الذي تم في يونيه من ذلك العام ليذكر العرب بأن هزيمتهم في 5 يونيه 1967 لاتزال قائمة بل وتتداعي، وليختبر مدي التزام «مصر» باتفاقيات «كامب ديفيد» والصلح مع إسرائيل بعد أن تم الجلاء عن سيناء في 25 ابريل من العام نفسه طبقا لهذه الاتفاقيات. كانت إسرائيل في واقع الأمر توجه رسالة إلي أكبر بلد عربي وصاحب أقوي الجيوش العربية، وتضمنت الرسالة سؤالا: تري هل ستلتزم مصر بالمعاهدة مع إسرائيل أم باتفاقية الدفاع العربي المشترك وهي اتفاقية جماعية لها الأولوية طبقا للقانون الدولي علي أي اتفاقية ثنائية؟
وكان رد مصر كما نعرف جميعا هو الالتزام بالمعاهدة مع إسرائيل مع شجب عدوانها علي لبنان، وهو العدوان الذي ازداد توحشا وصولا إلي مجزرتي صبرا وشاتيلا اعتمادا علي الحياد المصري.
في ذلك الحين تحرك نفر- محدود- من المثقفين الشرفاء في العالم أجمع ومن بينهم «روجيه جارودي» ليعلنوا إدانتهم للوحشية الإسرائيلية.
الإعدام الأدبي
وأصدر «جارودي» بيانا بعنوان «مجازر لبنان.. معني العدوان الإسرائيلي»، وقد وقع معه علي البيان كل من الأب «ميشيل لولون» ، والقس «ايتان مايتو» واستطاع «جارودي» أن يحصل علي موافقة مدير تحرير جريدة «لوموند» جاك فوفيه علي نشر البيان ولكن في صفحة كاملة مدفوعة الأجر بتاريخ 17 يونيو 1982 بعد أن عجزوا عن نشره كبيان سياسي لا يحمل فحسب معني الإدانة للمجارز التي ترتكبها إسرائيل، وإنما يحمل أيضا توقيع واحد من أكبر مفكري عصرنا تتباري الصحف ووسائل الإعلام ودور النشر فيما بينها لنشر ما يكتبه أو يصرح به.
كان بيان «جارودي» ورفاقه المدفوع الأجر يوضح أن المجازر التي قامت بها إسرائيل في لبنان ليست خطأ ولكنها تعبير صحيح عن المنطق الداخلي للصهيونية السياسية التي تقوم عليها دولة إسرائيل، وأن هذه الصهيونية السياسية التي استبدلت رب إسرائيل00 اي اليهودية الروحانية الخالصة بدولة إسرائيل لا تختلف في شئ عن النازية «وأن معركتنا ضد الصهيونية السياسية هي نفسها معركتنا ضد معاداة السامية».
يقول «جارودي» الذي قادته منظمة «ليكرا» الصهيونية إلي المحكمة :
«قام دفاعي أمام المحكمة علي ما جاء في دراستي حول «فلسطين 00 ارض الرسالات الإلهية» : إن الصهيونية السياسية التي أسسها تيودور هرتزل – والتي أدانها كل حاخامات العالم في ذلك الحين بوصفها نوعا من الخيانة للديانة اليهودية، تنبع من القومية الأوروبية والاستعمار في القرن التاسع عشر، ليس من الديانة اليهودية».
ويوضح «جارودي» كيف استطاعت الهيمنة شبه الكاملة للصهيونية علي أجهزة الإعلام في فرنسا وأمريكا أن تفرض التشويه والخلط والقلب للمعاني، فالدفاع عن الوطن أصبح إرهابا أما إذا غزت إسرائيل لبنان فالعملية تسمي «السلام للجليل»،
وخسرت المنظمة الصهيونية «ليكرا» المعركة ضد «جارودي» في الدرجة الأولي والثانية وصولا إلي النقض وقد ألزمت كل المحاكم «ليكرا» بدفع المصروفات فيما عدا النقض الذي ألزم به «جارودي» ولكن.
«استمرت عملية الخنق خارج المحاكم، فاللوبي الصهيوني يمتلك الوسائل، وبدأت التحركات لكتم أنفاسي في وسائل الإعلام ، فلم تقبل مقالاتي، وأغلقت جميع أبواب النشر في وجهي، وحرم علي الظهور في التليفزيون ، لقد حكم علي بالإعدام الأدبي..».
محاكمة الفكر
وفي مايو عام 1990 صدر قانون «جيسو» الذي يجرم أي تشكيك في الجرائم المقترفة ضد الإنسانية، وهو القانون الذي يعاقب «كل من ينكر أي من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية كما وردت في المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية الملحق باتفاق لندن الموقع في 8 أغسطس 1945».
وبعد مضي عام علي صدور القانون اقترح أحد النواب تعديله محتجا بأن نصا كهذا يكرس الحقيقة التاريخية بالقانون بدلا من أن يتركها لكي يحكم عليها التاريخ، فضلا عن أنه يقيد حرية البحث، لكن اللوبي الصهيوني في البرلمان الفرنسي كان أقوي من كل منطق وبقي القانون الذي مثل «جارودي» أمام المحكمة بعد ذلك طبقا له.
وجرت هذه المحاكمة تلك المرة لكتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، بعد أن بلغ النفوذ الصهيوني ذروة خطيرة جعلت حاخام فرنسا الأكبر «جوزيف سيتروك» يقف في القدس أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «اسحق شامير» ويقول متفاخرا:
«إن كل يهودي فرنسي هو ممثل لإسرائيل، وتأكدوا أن كل يهودي في فرنسا يدافع عما تدافعون عنه».
ويقول «جارودي» بين قوسين – أن هذا الحاخام نفسه كان قد عرض خدماته علي «هتلر» ليقودنا للإشارة إلي تلك الجهود «الدءوبة والمنظمة التي تبذلها الصهيونية السياسية لتشكيل الرأي العام وصبه في قوالب بعد أن يصبح مشبعا «بالمعلومات» التي توحي بوجود نزعة عرقية قوية تغذي معاداة السامية حتي لو اقتضي الأمر ترتيب الأعمال الهمجية عمدا والتي تسئ لليهود وتستهدفهم لتبقي فكرة خطر معاداة السامية ماثلة أبدا لاستخدامها عند الضرورة واشهارها في وجه كل من تسول له نفسه أن ينتقد إسرائيل.
ويقدم «جارودي» مثالا صارخا هو حادث «كربنترا» الذي وقع داخل مقابر اليهود في مدينة كربنترا في ألمانيا، حيث جري نبش المقابر وانتهاك حرماتها، وحتي الآن، ورغم أن الحادث وقع عام 1990 فإن الحقيقة لم تتضح بعد، وتم فرض الصمت علي أكثر الشهود أهمية «وكانت هذه فرصة لشن هجوم آخر علي كل من تسول له نفسه التشكيك في العقائد التي تضع إسرائيل فوق كل قانون دولي».
أسطورة الهولوكست
أما «جارودي» نفسه فقد تجاسر علي أكبر الأساطير المعاصرة وهو «الهولوكست» أي المحارق التي حرق فيها «هتلر» ملايين البشر جري نسيان كل الجنسيات والأوصاف والاعداد التفصيلية لهم وبقي رقم واحد هو الستة ملايين يهودي وهو الرقم الذي اخضعه جارودي للبحث والفحص والتدقيق العلمي وتبين له أنه مزور، وكشف عن تناقضات هائلة في بيانات المصادر المختلفة للمعلومات. ورغم أن «اسطورة» الملايين الستة ليست إلا واحدة من سبعة اساطير فحصها «جارودي» فحصا علميا دقيقا، وهي اسطورة الأرض الموعودة، واسطورة الشعب المختار، واسطورة يشوع أو التطهير العرقي، هذا علي الصعيد الديني، أما علي صعيد القرن العشرين فهناك أربع أساطير هي أسطورة معاداة الصهيونية للفاشية، وأسطورة محاكمة «نورمبرج»، واسطورة الملايين الستة والهولوكست، وأسطورة أرض بلا شعب،، وهذه الأخيرة مازال «بنيامين نتنياهو» يرددها كل يوم رغم المواجهات الدامية مع الشعب الفلسطيني.
رغم هذا الزحام من الأساطير التي فندها الباحث جميعا فإن الهيستيريا التي أصابت الحركة الصهيونية إزاء رقم الستة ملايين تفوقت علي كل ما عداها، لأن هذا هو الرقم الذي تاجرت به طويلا، ونجحت بمقتضاه في اشعار الأوروبيين جميعا بالذنب وبمسئوليتهم كأوروبيين عن جرائم «هتلر» في حق اليهود الشيء الذي ساند إسرائيل بلا حد لاقتلاع شعب فلسطين من وطنه واغتصاب أرضه بل والسعي لإبادته مع ضمان الصمت الكامل سواء في أوساط الساسة الأوروبيين والأمريكيين أو في أوساط الرأي العام الذي بلغ به الأمر إلي اعتبار إسرائيل علي حق في كل ما تقوم به
إنسانية متكاملة
ورغم قول «جارودي» الصريح في كتابه «إن قتل إنسان بريء واحد سواء كان يهوديا أو لم يكن هو جريمة ضد الإنسانية».. رغم هذا القول الصريح الواضح فإن تهمة معاداة السامية وكراهية اليهود عادت بقوة لتلاحق المفكر الفرنسي الشجاع وتقوده إلي المحكمة هو الذي جرب سجون النازي أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية الثانية ومقاومة الشعب الفرنسي له.
أما الشيء الآخر والذي لم تغتفره المنظمات الصهيونية «لجارودي» فهو رفضه للاعتراف بوجود ما يسمي بالجنس اليهودي «كما تدعي العنصرية الهتلرية وكما يؤكده القادة الإسرائيليين حتي الآن» بل واننا نستطيع أن نؤكده في تجربة إسرائيل المعاصرة التي استقدمت يهود الفلاشا السود من إثيوبيا ليكونوا شهودا أحياء علي انتفاء وجود ما يسمي بالجنس اليهودي».
ولم تكن الفظائع الهتلرية موجهة ضد اليهود وحدهم «فقد كانت كارثة بشرية لا مثيل لها للأسف الشديد، لأن «هتلر» طبق علي البيض ما طبقه الاستعماريون الأوروبيون من خمسة قرون علي الملونين، ابتداء من هنود أمريكا الذين استأصلوا منهم 60 مليونا من 80 مليونا (بالاشغال الشاقة والأوبئة»، وحتي الافارقة الذين نقل منهم من عشرة إلي عشرين مليونا إلي الأمريكتين، بعد أن مات منهم من 100 إلي 200 مليون خلال فترة الرق واصطياد العبيد السود»0
ولسنا بحاجة لأن نذكر القراء بأن القنابل الذرية الأمريكية ألقيت علي هيروشيما ونجازاكي بينما كان الامبراطور «هيروهيتو» قد بدأ مفاوضات الاستسلام.
وإذا كان «جارودي» في بحثه هذا لم يستخدم أبدا أداة التحليل النفسي فإن أي قراءة لكتابة وخاصة لهذا الفصل لابد أن تستدعي هذه الأداة إذ أن الأوروبيين والأمريكيين بقدر ما يكررون لأنفسهم وللعالم أنهم مسئولون عما جري لليهود علي أيدي «هتلر» ويشعرون بالذنب إزاء اليهود المعاصرين، يحاولون دائما ربما بطريقة غير واعية ستر الفضائح الأخري التي اقترنت بتاريخ الغزوات الاستعمارية والوحشية المصاحبة لها منذ اقتلاع الإفريقيين وخطفهم واستعبادهم لتعمير أمريكا أو ابادة الهنود الحمر أو المذابح المتفرقة التي اقترفتها كل النظم الاستعمارية في البلدان التي احتلتها في القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي جميعا أشكال توحش عار اقترنت بالمصالح الاستعمارية وبنهب ثروات الشعوب، وكانت دائما مجردة من الحس الإنساني0
إخفاء الجرائم
ولأن كل الدول الاستعمارية بلا استثناء شاركت في المجازر الوحشية ضد شعوب المستعمرات وفي كل العصور فإنه من الأنسب لها- سيكولوجيا- أن تسدل الستار علي هذه الجرائم القديمة وتدفع إلي مقدمة المشهد بجرائم «هتلر» ضد اليهود، وقد كان «هتلر» يحارب أوروبا أي أنه انفصل عنها وبقيت هي بريئة من دماء الضحايا، وليس شعورها بالذنب تجاههم إلا نوعا من التحضر الراقي يمارسه هؤلاء الذين لم تتخضب أيديهم بدماء اليهود، بل وورثة «هتلر» أنفسهم أي الألمان الذين لاتزال دولتهم حتي هذه اللحظة تدفع تعويضات للدولة الصهيونية بسبب جرائم «هتلر»0 وسكوت أوروبا علي جرائم التطهير العرقي في القدس وزرع المستوطنات في أرض فلسطين بعري لنا هذا التحضر الزائف.
فلماذا إذن يا تري «التمسك منذ ما يزيد علي نصف قرن مضي برقم ستة ملايين في الوقت الذي لا نعتبر فيه أن عدد الضحايا من غير اليهود في «كاتين» و«درسدن» و«هيروشيما» و«نجازاكي» لا يجوز الاقتراب منه، علي العكس من الرقم الذهبي الستة ملايين الذي يحظي بالتقديس، رغم ما طرأ عليه من تخفيض بصورة دائمة». ويتابع «جارودي» أشكال التضارب في الأرقام من مصدر لمصدر وإذا ما وضعت كلها جنبا إلي جنب لنسفت الكثير من الأكاذيب وهو ما فعله ليطير صواب الصهاينة في كل مكان، رغم أنه لم يتوان أبدا عن ادانة الجريمة
«إن الفيلم الذي عرض في «نورمبرج» أثناء المحاكمة بشأن فظاعات النازي، أوضح وجود غرفة غاز واحدة فقط، هي غرفة معسكر داخاو، وقد نظمت الزيارات للسياح والطلبة حيث توجد اليوم لوحة تذكارية جاء فيها أن أحدا لم يلق فيها حتفه بالغاز لأنها لم تستكمل أبدا!».
دفاعا عن أنفسنا
وطالما اعتمدت الحركة الصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية علي هذه «الأسطورة» لتستكملها بالاسطورة الأخري عن الأرض التي بلا شعب وهي أرض «فلسطين» التي استقر أمر الحركة الصهيونية ورعاتها الامبرياليون علي إنشاء الدولة العبرية فيها، وذلك لتحقيق أهداف كثيرة منها بل وعلي رأسها فصل المشرق العربي عن المغرب العربي، وضمان السيطرة علي النفط عن طريق قوة صديقة دائما وأبدا للاستعمار، وحامية ضمنية لنظم الاستبداد التي تكبح بالتحالف مع الأجنبي كل تطور محتمل للمنطقة.
وتقول «جولدا مائير» بعد هزيمة العرب سنة 1967 «لا يوجد شعب فلسطيني، وكأننا نحن الذين جئنا لإخراجه من دياره والاستيلاء علي بلده، فهم «الفلسطينيون» لا وجود لهم».. وهو بعينه ما يردده «نتنياهو».
وهكذا يجري زرع المستوطنات في أرض فلسطين من أجل توطين أي «يهودي» من أي مكان في العالم يعن له أن يستخدم حق العودة الممنوح من قبل الدولة العبرية لكل يهود العالم، والممنوع علي الفلسطينيين الذين شردتهم الدولة العبرية في أرجاء العالم.
«ومنذ السبعينيات، لم يحدث مثل هذا التسريع بالإنشاء والتشييد في الأراضي المحتلة ، فأريل شارون مشغول بإنشاء مستوطنات جديدة، وتطوير المستوطنات الموجودة، وبناء الطرق وإعداد مساحات جديدة للبناء».
إن ما فعله «جارودي» لا يمكن أبدا غفرانه لأنه إذا كان العرب والفلسطينيون يعرفون كل هذه الحقائق التاريخية والحادثة الآن تفصيلا فإن الرأي العام العالمي مخدوع بالدولة الديمقراطية في إسرائيل، وقد حجبت الدعاية الكثيفة طابعها الاستعماري الاستيطاني العنصري المعادي للإنسانية0
واسم «جارودي» – رغم كل الالتباسات – اسم كبير وهو مفكر مسموع الكلمة وصاحب نفوذ حتي وهم يقودونه إلي المحكمة ولذا كان لابد من اسكاته، وعلينا نحن العرب أن نسعي لكي يرتفع صوته وننشر كتابه في ارجاء العالم بكل السبل وأن نحتشد للدفاع عنه دفاعا عن قضيتنا العادلة… دفاعا عن أنفسنا.. وما أحوجنا الآن لأن نفعل ذلك بعد أن رحل «جارودي» عن عالمنا لنرفع صوت الحقيقة الذي سيبقي خالدا في إنجازه المعرفي والسياسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.