وصف خبراء الإسكان والتخطيط العمرانى، عملية البناء فى مصر بالعشوائية، نظرا للتوسع فى البناء غير المخطط وبدون تراخيص والتعديات على الأراضى الزراعية واملاك الدولة فى ظل غياب تطبيق القانون، بما قد يسيء للمظهر الحضاري والعمرانى فى مصر، خاصة انه وفقاً للتقديرات هناك 70% من البناء فى مصر عشوائيا وغير مخطط.. وقد قدر جهاز التفتيش الفنى بمركز بحوث الإسكان والبناء، عدد العقارات المخالفة فى مصر ب 318 ألف عقار مخالف، وجاء ارتفاع المبانى المخالفة فى المتوسط من 12 إلى 15 طابقا، وأقل عقار يضم 20 وحدة سكنية، ويصل ما تم حصره إلى 6.5 مليون حدة سكنية مخالفة، وهى ثروة عقارية كبيرة ولكنها مهدرة بسبب العشوائية واللجوء إلى المخالفة. ولاشك أن أزمة انهيار العقارات والتى زادت خلال الآونة الأخيرة فى مناطق بالاسكندرية والقاهرة، وراح ضحاياها عشرات المواطنين، يرجعها البعض الى "غش " فى مواد البناء المستخدمة فى معظم المبانى نتيجة الفساد المتفشي فى المحليات والرشاوي التى تسهل إصدار تراخيص البناء دون الوضع فى الاعتبار السلامة الانشائية. وفى هذا الصدد، تناقش لجنة الاسكان بالبرلمان، عده تعديلات على قانون البناء الموحد رقم 119 لسنه 2008، وجاءت أبرز التعديلات مد صلاحية الترخيص لثلاث سنوات بدلا من سنة مع تيسير الإجراءات والرسوم اللازمة لإصدر تراخيص البناء، بالاضافة الى إعادة النظر فى البناء بدون ترخيص، بحيث يتسنى للقانون الجديد التصالح مع المبانى غير المرخصة بشرط أن تكون سليمة إنشائيًا، والا تكون مقامة على أملاك الدولة أو أراضى زراعية، فضلا عن تفعيل دور المجلس الاعلى للتخطيط والتنمية العمرانية، وتفعيل دور اتحاد الشاغلين. تنوع مخالفات البناء وفى ذات السياق يري محمد عبد العال المستشار القانوني للمركز المصري للحق فى السكن، أن مد صلاحية التراخيص لأكثر من سنة يعتبر أمر مقبول، نظرا لظروف تمويلية قد تواجه المالك، وقد يضطر لإعادة اجراءات التراخيص المعقدة بما يفتح باب التحكم فى المواطن ويضطر لدفع رشاوي، بالإضافة إلى أن تيسير إجراءات تراخيص المبانى يسد باب الفساد والرشاوى. مضيفاً، أن مخالفات البناء متنوعة، ومن الصعب تعميم التصالح بما يخالف معايير السلامة والبناء، ولابد من إعاده تصنيف المخالفات وتحديد درجة المخالفة والخطورة، وبناءً على ذلك تتم تسوية المخالفة او الإزالة الفورية. مشدداً على ضرورة وجود رؤية للسياسات سواء على مستوى توفير الحق فى السكن او الاستثمار العقاري، بالاضافة الى تعديل التشريعات الاخري المرتبطة بالسكن والعمران فى مصر. شروط لإصدار التراخيص ويري المهندس إسماعيل طنطاوي "خبير ومؤتمن عقاري" ان نسب البناء والسكن فى المدن الجديدة، تحتاج الى إعادة نظر، حيث يمثل الاسكان الاجتماعي 10% فقط من المساحات، و40% للاسكان فوق المتميز، فى حين إننا بحاجة إلى التشجيع على البناء بدلا من استنزاف الثروة العقارية وحصرها فى بناء فيلات وقصور. مضيفاً، أن وضع شروط تراخيص البناء، يساهم فى الحد من العشوائيات، وتتضمن الشروط، عرض الشوارع وارتفاع المبانى، ووجود شوارع رئيسية لا تقل عن 10 م لتسهيل دخول عربات المطافئ والإسعاف فى حالات الحوادث، بالاضافة الى تجريم البناء بدون ترخيص، ووضع جزاءات للموظف الذى يتقاضي رشوة مقابل إصدار رخصة بناء، أو الذى يتعنت فى إصدار التراخيص. لافتاً الى ضرورة توافر 3 شروط للتصالح مع مخالفات البناء، منها تحقيق السلامة الإنشائية للمبنى، وعدم البناء على حق الغير او حق الدولة، بالاضافة إلى أن الدولة فى إمكانها ان تستفيد من الادوار المخالفة بنزع ملكيتها وتأجيرها للمواطنين، على ان يتم تقييم المبنى المخالف وفق لجنة محايدة من كليات الهندسة. ويوصى طنطاوي، بعرض التعديلات النهائية التى تنتهى منها لجنة الاسكان، على حوار مجتمعي، وتفعيل دور الاعلام الايجابى فى توعية الناس للحد من العشوائية. لا تصالح مع المخالفات ويقول علاء عبد المنعم "أمين عام شعبة الاستثمار العقاري بالغرفة التجارية بالاسكندرية" إن هناك 30 ألف عقار ( مبنى ) مخالف فى الاسكندرية، بما يهدد حياة عشرات الاسر نتيجة إمكانية تعرض هذه العقارات للانهيار فى اى وقت، نظراً لعدم مطابقتها لمعايير السلامة الانشائية. مضيفاً، أن إيجاد الدولة لآلية للتصالح مع مخالفات البناء تعد معضلة فى قانون البناء الموحد، حيث لا تصالح مع مخالفات تم بناؤها فى غيبة الدولة، وأن التصالح سيزيد من المخالفات، وعلى الدولة أن تضع ردعًا لوقف المخالفات. لافتاً، إلى أن محافظة الاسكندرية ضمن المحافظات التى تعانى من ضغط على المرافق والصرف الصحي، نتيجة مخالفات البناء والادوار المرتفعة والكثافة السكانية، بما يضر بالبيئة، وعدم التهوية الجيدة، لضيق الشوارع والعشوائيات بالمحافظة. البناء فى المدن يختلف عن القرى وقالت المهندسة زينب محمد "مدير عام التخطيط العمرانى بمحافظة الدقهلية"، إن طبيعة البناء فى المدن تختلف عن البناء فى القري، والقانون يجب ان يراعي هذا الامر، فالناس فى القري تفضل بناء بيوت تعيش فيها مع اولادها، أما فى المدن فيكون البناء على شكل عمارات وتسكين فى وحدات او شقق سكنية. مضيفة، أن محافظة الدقهلية تعتبر محافظة زراعية، ولا يوجد انتداب صحراوى لها سوي فى منطقة جمصة، وبالتالى تشهد المحافظة تعديات على الاراضى الزراعية، بما يستلزم الامر السماح بالارتفاعات والبناء الراسي، للتوسع العمرانى بدلا من التوسع الافقي الذى يجور على الارض الزراعية.. مشيرة، إلى أهمية فرض غرامات على مخالفات البناء، للحد من ارتكاب المخالفات، والدولة ما عليها سوي التصالح مع المخالفات القائمة التى تشترط بها السلامة البنائية، خاصة ان الكثير من الأسر بنوا وسكنوا وشطبوا ومن الصعب إزالة بيت مخالف يسكنه أسر عرضة للتشريد فى الشوارع. مراعاة المعايير البنائية ويري ثروت طنطاوي "مهندس استشاري" أن هناك ثغرات فى قانون البناء الموحد، تخدم مقاولين البناء، حيث غفل القانون العقوبات والجزاءات الرادعة لتجنب قيام بعض المقاولين ب" الغش " فى مواد البناء والاخلال بالمواصفات والنسب العالمية لمواد البناء واستخدامها فى عملية التشييد والبناء، بما يعرض العقارات للانهيار، ويدفع المواطن الثمن، دون فرض عقوبات رادعة على المقاولين.. مؤكداً، أهمية وجود معايير بنائية تراعي نوع التربة، والناحية الجمالية والديكورية والتصميمات، وتكليف مهندس استشاري يتابع اعمال البناء بجانب المقاولين، بالاضافة الى تفعيل دور المحليات للرقابة على المخالفات. مقترحاً تشكيل مجلس أعلى للإسكان يضم مستثمرين وأكاديميين وخبراء اسكان، لمناقشة تعديلات القانون بجانب أعضاء مجلس النواب، وعقد جلسات استماع للوصول الى صيغة نهائية للقانون تحد من الفوضي التى نعيشها فى البناء.