12عاما مرت علي رحيل النمر الأسود.. أتذكر تماماً يوم وفاته التي كانت صباح الثلاثاء 27 مارس 2005، كانت مجلة آخر ساعة في الأسواق وكان غلافها صورة للراحل من أفيش فيلم العندليب، كما أتذكر أن الجمهور رفع المجلة عالياً أثناء توديع جثمانه الذي خرج من مسجد مصطفي محمود إلي مقابر 6 أكتوبر، هناك كانت الفنانة رغدة تجلس داخل المقبرة تقرأ القرآن قبل وصول جسده كان الحزن يرسم ملامحه وهي التي كانت ترافق النجم في رحلة مرضه حتي رحيله. كنت أسبوعيا أتابع الوضع الصحي للنجم وأكتب عنه من خلال الاتصال بالأطباء أو أصدقائه.. يوم الثلاثاء قال المذيع بطريقة شخص لا يصدق.. مات أحمد زكي! نزلت سريعا للسير في جنازته، هذا المشهد مر عليه 12 عاماً مثل هذه الذكريات تماماً، يقبع أحمد زكي في عقلي، الفنان الذي لم يعاصر الثورة التكنولوجية، ولا ربيع الثورات الذي أطاح بمعظم الدول العربية، ما قبل أغاني المهرجانات، وبرامج المقالب، الفنان الذي لم يشاهد مسخرة برامج التوك شو، ولا نواح الإعلاميين، رحل في زمن الصمت وهو الذي دخل التاريخ الفني وسطره بأعماله الفنية الهروب وشفيقة ومتولي وزوجة رجل مهم، 12 عاماً مضت ومازال أحمد زكي فارس السينما وأحلام الشباب. ربما نتذكر أحمد زكي في مسرحية مدرسة المشاغبين، الولد المسالم الريفي الطيب، الذي لا يستطيع المشاغبة لكنه يساير أصدقاءه خوفا من شعبيتهم الحارقة، ربما كان أحمد زكي هو أول من جسد هذه الشخصية، الطالب الساذج الطيب الذي يعاني من اضطهاد التلاميذ الأكثر شعبية في المدرسة، لاحظ أن حياة أحمد زكي نفسها، تتفق تماما مع هذه التيمة في أفلام الصعود، هو الريفي الساذج الفقير المتواضع، يتحول إلي نجم النجوم، وفارس الأحلام، ورمز السينما الأهم والأكثر عاطفية. يتفق علي أحمد زكي معظم محبي السينما باختلاف درجاتها، هؤلاء التائهون في ملكوت الفن الساحر، يجدون غاياتهم في أفلام مثل أرض الخوف للمخرج العبقري داود عبد السيد. أحمد زكي قدم للسينما أفلاما تجارية حققت إيرادات عالية ولكن لم تصل في تجاريتها إلي الأفلام التجارية الساقطة مثل المنتج الشهير بأفلامه التي تخدش الحياء العام لكن لو نظرنا لأفلام مثل كابوريا، استاكوزا، النمر الأسود، امرأة واحدة لا تكفي، أفلام أحبها الجمهور ولم يكن بها إسفاف هذا العصر، هناك أعماله التي جسد فيها سيراً ذاتية، طه حسين في الأيام، ناصر، أيام السادات، وحليم. هناك أفلامه مع محمد خان، موعد علي العشاء وزوجة رجل مهم، أحلام هند وكاميليا، والتي أعتبرها علامات فاصلة في حياة الرجل، والأفضل علي الإطلاق في السينما المصرية. قصة أحمد زكي مع سعاد حسني تتقابل وتتقاطع كثيراً، كما أنهما يتقابلان مع عبد الحليم حافظ، ثم يجتمع الثلاثة في كنف صلاح جاهين، الأربعة المعذبون دوماً، الأرواح الشفافة التي لم تتحمل كثيراً، لاحظ أن أربعتهم ماتوا في سن مبكرة، بعد رحلة عذاب ما، اثنان بسبب أمراض متقاربة، واثنان بسبب الاكتئاب سيمفونية غريبة جمعتهم، وتشاركا نفس الرحيل، لهذا كان حلولهم علي عالمنا قصيراً خفيفا، الأربعة في الحقيقة أوجه متعددة لشخص واحد، لذا مات جزء من كل منهم عندما مات حليم، ثم مات جاهين تاركا سعاد وأحمد زكي بنصف روح، ماتت سعاد حسني لتترك أحمد زكي مجرد زائر علي كوكبنا، ثم اكتمل الأربعة معا في عام 2005 بعد موت أحمد زكي لكن القدر يلعب ويكون رحيل العندليب والنمر الأسود في نهاية شهر مارس. إذا تحدثنا عن أحمد زكي، سعاد حسني وصلاح جاهين يجب أن نذكر هو وهي، أغاني هو وهي لا تزال عالقة في ذاكرة جيل كامل. في ذكري رحيله تتحدث الأقلام عن يوم وفاته وعن أسرار ما قبل الوفاة وعن آخر لحظات حياته عندما فقد نظره قبل رحيله مثلما صرح طبيبه المعالج بعد وفاته، وعن محاولاته في تجسيد حليم حتي آخر نفس، لكنني أتذكر أحمد زكي وهو سواق الهانم، ولا أتذكره في حليم، أتذكره وهو في مهمة رسمية ومعه حيواناته المعزة والقرد والحمار، أتذكره وهو يغني استاكوزا مع رغدة، أتذكره في قمة جبروته في شادر السمك، أتذكره في قمه رومانسيته في الحب فوق هضبة الهرم وإسكندرية ليه، وهو شباب الثورة في البريء.