بالضحك والبكاء اختلطت كلمات الأستاذة صفية وهي تحكي عن ذكرياتها مع أبويها مصطفي وعلي أمين، تحدثت عن أب ديموقراطي، لم يكن يهمه تفوق ابنتيه في الدراسة لكنه كان لا يتفاهم في حصولهما علي الدرجة النهائية في مادة الأخلاق، وعم حنون انفعل عليها مرة واحدة بسبب إهمالها لصحيفة بعد أن فرغت من قراءتها. كشفت صفية عن أدق التفاصيل في حياة التوأم، ألوانهما التي لا تتغير، والاختيارت التي تميِّز كلا منهما ولاعب الكرة المفضل عند والدها وشرط عمها قبل السماح لها بالفسحة، وإلي نص الحوار: • كيف كنت تشاهدين والدك في طفولتك؟ - أب ديموقراطي، يتخذني وأختي رتيبة صديقتين، لكننا كنا نخاف منه للغاية، بالرغم من أنني لا أتذكر أنه انفعل أو رفع صوته في البيت، وكنا نفهمه من نظرة العين. هل كان يتابع دروسكما؟ - كان يدقِّق في الشهادات التي ترسل له كل ثلاثة أشهر من المدرسة، يطالعها جزءا جزءا وهو يمشي بين طرقات المنزل وأهم مادة كانت تهمه الأخلاق التي إذا نقصت درجاتنا فيها عن النهائية فهذا يعني عقابنا، أما أي مادة أخري فيمكن معالجتها. ولكن الأب يهمه أيضا الدرجة النهائية في جميع المواد؟ - لم يكن يريدنا أن نحصل علي درجات مرتفعة في الدراسة ونفشل في حياتنا، كان ينصحنا دائما ببذل أقصي طاقتنا، فقد كنت أحصل علي المركز الأخير ضمن العشرة الأوائل، وكان يؤكد علي أن قدراتنا شيء وحياتنا العملية شيء مختلف تماما. هل كان ينصح بقراءة كتب معينة ؟ - لم يكن من أصحاب النصيحة المباشرة، وكان ينتظر أن نذهب ونستعين به، وحتي طريقته في الإرشاد لم تكن موجهة بل كانت تأتي في ثوب حكاية مشابهة حدثت من قبل مع والده ووالدته، وكان مهتما بالجغرافيا يطلعنا علي الأطلس وهو يحكي عن التاريخ. هل كان مصطفي بيه يتخلص من الصحفي ليمارس دور الأب في البيت؟ - مصطفي أمين صحفي 24 ساعة، وحياته صحافة في صحافة، وأخبار اليوم بالنسبة له امتداد للمنزل، وأقرب إليه من البيت. وماذا عن الأعياد والمناسبات؟ - كنا نأتي إليه في "أخبار اليوم" يوم العيد برفقة أولاد عمي، وكانت أعمارنا وقتها تتراوح بين خمس وتسع سنوات، ونحصل علي عيديتنا داخل مكتبه، ونلعب في "الطرقة"، لأن هناك أشخاصا أهم منا يجلسون معه وهم المحررون. هل أنت محظوظة لأنك تحبين الصحافة ووالدك مصطفي أمين؟ - بدأت التدريب علي الصحافة في دار الهلال أثناء دراستي الجامعية، وكان والدي في السجن وقتها، ولم يكن متاحا وقتها أن أعمل في أخبار اليوم وهو لم يرغب في ذلك. لماذا؟ - لأنني سأكون صفية مصطفي أمين ولن أفعل أي شيء، فوالدي يعمل معي بنفس المكان، وتلاميذه سيقومون بترفيهي ولن أتعلم شيئا، ولم يكن يحب أن يكون أبناؤه ضعافا، وكان يقول دائما لابد أن تدركوا أنني لست موجودا طوال الوقت، فأنا معكم حتي تكبروا ولكنه لم يكن معنا حتي ونحن صغار! كيف؟ - عشت تسع سنوات كاملة منذ أن كنت في الحادية عشرة وحتي أتممت العشرين وهو سجين، وعندما كان في السجن كنا نتحدث بالخطابات، ومنها تعلمت أن أكتب وأحكي له عن كل تفاصيل حياتي. متي يبكي مصطفي أمين؟ - عندما يري مشهدا في فيلم يصوِّر أي نوع من أنواع الجحود للأم فقد كان التوأم يعشقان والدتهما، وبكي مرة أخري عند وفاة علي أمين الذي كان أهم شخص في حياته. هل شاهدت دموعه وقتها؟ - لم أرها مطلقا ولكنني سمعت الروايات التي تؤكد بكاءه، شاهدت عينيه ممتلئان بالدموع ولكنه لم يسمح لها بأن تسقط أمامي مطلقا. هل كنت تفرِّقين بين والدك وعمك؟ - لم يكن علي بالنسبة لنا عما، فكنا نسافر إلي انجلترا أثناء سجن والدنا لنقيم شهورا معه وهو نسخة طبق الأصل من والدنا، فمشاعرنا تجاهه مختلطة، فقد ربانا علي أمين. هل هو أب مكرر؟ - نصف الأب كان مصطفي والنصف الآخر علي. كيف يمكنك وصف علي بيه؟ - شديد الطيبة والحنية ربما أكثر من مصطفي أمين!.. لم يكن مصطفي سهل التعبير عن مشاعره ونقاط ضعفه لا تظهر للغير، أما علي أمين فكان يتألم من أي شيء ويعاني من كل شيء، ومع ذلك فإن رد فعل مصطفي أكبر من علي ويظل مستمرا. ماذا قال مصطفي أمين عندما توفي توأمه؟ - قال أبي: "نصفي مات"، وهذه الجملة أثّرت فيّ جدا، فهو قطعة منا كلنا. هل هناك موقف معين لا تستطيعين أن تنسيه؟ - في الرابعة عشرة من عمري كنت في زيارتي المعتادة له في لندن، ففتحت الجورنال علي طاولة "السفرة" كنت أبحث عن شيء وتركته كما هو ومضيت، فأعادني وهو يشير إلي الجريدة ويقول: كيف تتركين الجورنال بهذا الشكل؟، فقلت له: لم أعد أحتاجه، فرد عليّ غاضبا: "انت عارفة الجورنال اللي انت رمتيه بإهمال اتعمل فيه مجهود قد إيه.. عيب أوي إن بنت مصطفي أمين ترمي الجورنال بالشكل ده؟"، وأمرني بترتيبه. ما هي ألوانهما المفضلة؟ - كلاهما كان شخصا كلاسيكيا للغاية، ولا أذكر سوي البدلة الكحلي والقميص الرمادي وربطة عنق بهذين اللونين، ولم أرهما مرة بربطة عنق خضراء أو حمراء أو صفراء. لابد أن أحدهما كان يختلف ولو في تفصيلة عن الآخر؟ - في الأحذية كان مصطفي يفضلها سوداء أو بنية برباط وعلي يحب الأحذية السوداء بدون رباط، وكان مصطفي يرتدي قميصا بأكمام طويلة، أما علي فكان يرتدي قمصانه كل أكمامها قصيرة، ولم يكن يخرج علي أمين من غرفته إلا بكامل هيأته، وشاهدت مصطفي أمين في سنواته الأخيرة بالبيجامة. هل كان يشارككما مشاهدة التليفزيون؟ - كنا نجلس بجواره لنتابع مباريات كرة القدم. ومن هو لاعب الكرة المفضل لدي مصطفي أمين؟ - محمود الخطيب، كان يحبه للغاية. ومن فنانته المفضلة؟ - أم كلثوم.. ولا يمكننا أن نعتبرها فنانة بل هي صديقة مقرّبة، وسيدة عظيمة ساندت أخبار اليوم ومصطفي وعلي أمين في كل المحن. كيف تعامل مع زواجك ؟ - كان زوجي مدير أختي في العمل، وكنت أشاهده عندما أزورها، وهو ينتمي لعائلة صحفية، وأراد الزواج مني وعندما أخبرت والدي طلب مني أن أتعرف عليه جيدا وأحكي له كل ما يدور بيننا، وكنت حريصة علي الحضور إليه في آخر يوم العمل لأتحدث معه علي راحتي، وبعد مرور سبعة أشهر من اللقاءات والمحادثات التليفونية، وبعد أن ظل يسأل عنه وعن عائلته، سألني: هل أوافق علي الارتباط به فأجبت: نعم.. فوافق علي مقابلته وهو يقول لي: " هو مش هييجي بقي يخطبك؟" هل كان متشددا في طلبات الزواج؟ - إطلاقا!.. فمصطفي أمين لا يبيع ابنته، وبالتالي لا يثمنني، ويريد أن يحصل علي رجل يكبر معنا، وعشنا بأقل الإمكانيات وكان أبي يساعدنا أحيانا، ولكنني عشت وفقا لمقدرة زوجي. من كان الصديق الأقرب لمصطفي أمين في سجنه؟ - تلاميذه كلهم، ولا يمكنني أن أخص شخصا بعينه، فكلهم أوفياء إلا هيكل طبعا الذي زاره عدة مرات علي فترات متباعدة في سنوات سجنه الأولي. ما الكتب التي تفضلينها لمصطفي أمين؟ - أحب "مسائل شخصية"، و"الآنسة هيام" و"الآنسة كاف"، وأحب دعاء علي أمين في كتابه "يارب". وماهي أهم أعمال مصطفي أمين من وجهة نظرك؟ - "ليلة القدر" فهي مستمرة وهو من وضع بذرتها، ووصلت الودائع التي تركها لها اليوم إلي 108 ملايين جنيه، وبالمناسبة هي جمعية خيرية ليس لها أي علاقة ب "أخبار اليوم" ومستمرة بسبب تلامذته ومنهم من لم يره شخصيا، أما المؤسسة التي بناها بجهده وتعبه فنلاحظ أن أي شخص يحاول أن يمسها بسوء هو من يتضرر، فالمؤسسة تحملت عواصف كثيرة وحفظت أموالها لأن مصدرها حلال. كيف تذكرين مصطفي أمين في أيامه الأخيرة؟ - كانت قاسية للغاية وكنت مدركة تماما أن وفاته اقتربت، وكان طوال الوقت مبتسما، ولم يكن يشتكي من شيء، وأتذكر ذات مرة كان في غرفة العناية المركزة وكان الطبيب يتحدث معه عني مؤكدا له أنني لن أدخل مجال الصحافة مطلقا، وحاليا أدركت أن الحق معه فالعمل الصحفي مجهد وصعب للغاية. ومتي قررت العمل بأخبار اليوم؟ - عندما تم إلغاء "فكرة" من النشر في الأخبار بعد وفاة مصطفي أمين، ولم يعد اسمه يكتب في الجورنال، فقررت أن أعيد الاسم من جديد، وكانت حربا فلم يكن سهلا أن أعمل بالمؤسسة. إلي هذا الحد؟ - الجميع يتخيل أن دخولي المكان سهل، ولكن العكس هو الصحيح.