صنعت من العلاقة الجدلية بين الواقع والخيال عالما جديدا يحتاج للتوقف والتأمل والإبحار في عالمها الفني، خاصة أن لوحاتها المبهرة تنقلك بسلاسة وإنسيابية إلي عالم جمالي مثير لايمكن استيعابه إلا بالسفر مع لوحاتها عبر التاريخ ومعايشة حضارات في بقاع وأزمنة مختلفة وصولا إلي المحروسة رمز الحضارة الحديثة.. الماضي بالنسبة إليها نافذة تطل منها علي عشاق فنها لتروي لهم حكايات فنية من نسيج خيال وتراث وثقافة وتاريخ الشعوب وتؤسس من بين فائض لقطات إبداع حسها الفني التشكيلي، وبصمتها المتميزة بالفكر الراقي. إنها الفنانة التشكيلية الدكتورة سهير عثمان عميدة كلية الفنون التطبيقية التي كشفت أن هذا الفن يعاني ظاهرة انتشار الدخلاء والفنانين المزيفين. تقول الدكتورة سهير إن بدايتها مع الرسم جاءت في سن مبكرة خلال المرحلة الابتدائية وتطورت في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وكان عشقها لعالم الجرافيك والطباعة والصباغة عاملا أساسيا في التحاقها بكلية الفنون التطبيقية لصقل موهبتها بشكل علمي، وأشارت إلي أن الدراسة بالكلية بكل أقسامها تلعب دورا مؤثرا في خدمة كل الصناعات علاوة علي إضافة اللمسات الجمالية فيها، كما تشعر بها في محيط منزلك، علي مستوي تصاميم الأثاث والستائر والسجاجيد واللوحات والملابس التي ترتديها. وعن المدرسة الفنية التي تنتمي إليها قالت: لديّ إلمام تام بكل الاتجاهات والمدارس الفنية الأجنبية، أستفيد منها لكنني لا أقلدها، ودفعتني موهبتي الفطرية للإبحار داخل مدرستي الخاصة التي تعتمد علي الأخذ من جذورنا وفنوننا التراثية البدائية والفن المصري القديم والقبطي والإسلامي، وقدمتها بطرق فنية مزجت فيها الموروث الحضاري بالرؤية العصرية. تابعت: الفنان المصري القديم كتب حكايات باللغات الهيروغليفية والهيراطيقية والديمقتية علي البرديات والمسطحات الجبلية والمنحوتات وبالنسبة لي قدمت الكثير منها في أعمالي الفنية لكن بإضافات إبداعية ظهرت فيها هويتي وجيناتي المصرية، وأعترف أنها منحتني ميزة خاصة عن الفنانين الآخرين. وبشأن رؤيتها لوضع الفن التشكيلي قالت إن هناك زخما كبيرا في المعارض وهناك أعمالا تنتمي للإسفاف وأخري متميزة برؤية جديدة، لكنها أبدت انزعاجها من ظاهرة الدخلاء علي الفن التشكيلي، وقالت في النهاية لا يصح إلا الصحيح، والفنان الجيد هو الذي يواصل طريقه بكل ثبات، لأن الإبداع يؤكد مقدرة الفنان المبدع علي التميز والتفرد، أما غير المبدع فربما تسنح له فرصة أو فرصتان وبعدها يختفي. وتتمني الدكتورة سهير أن تتخلص الأوساط الإبداعية في كل المجالات من المحتالين، من خلال وضع ضوابط معينة من الجهات الثقافية والفنية والأكاديمية تحاصر الدخلاء علي الفنون وعندها سيهرب الكثير منهم عن الوسط التشكيلي إلي غير رجعة. وعن الألوان التي تركز عليها في رسم لوحاتها قالت إنها تعتمد علي الألوان الزيتية وسرعان ما تمزج ما بين الفرشاة والسكين لإحداث حالة من الانسجام اللوني، وأحياناً تتجه نحو التدريج التعبيري، لافتة إلي أن لها طقوسها عندما تبدأ عملية الرسم حيث تبحث أولا عن الهدوء والصفاء الذهني وسماع الموسيقي الكلاسيكية حتي تستطيع تنفيذ فكرتها الفنية. وبالنسبة لإنصاف المرأة في أعمالها الفنية قالت: قد أكون أنصفتها، لكن معاناة المرأة المصرية بالتحديد أكبر من أن تعبر عنها لوحة أو تمثال أو جدارية، ومسئوليتي تحتم عليّ أن أرسم وأوثق ما تتعرض له المرأة من إهمال وغياب الإنصاف في تولي المراكز القيادية لاستمرار وجود المغلوط الثقافي بتفضيل العنصر الذكوري علي الأنثوي، في حين أن المرأة لها دورها المؤثر تاريخيا. وتشير إلي أنها وفقت تماما في أداء مهامها العائلية والوظيفية والفنية لاعتمادها علي جوانب التنظيم بين هذه المهام، فقد نجحت في تربية أولادها، فابنها عمر خريج هندسة القاهرة قسم عمارة وناجح في حياته العملية كمهندس، وابنتها خريجة اقتصاد وعلوم سياسية وهي متزوجة ومتفرغة لتربية حفيديّ "ولد وبنت". وأضافت الدكتورة سهير أنها أقامت وشاركت في أكثر من 450 معرضا ومثلت مصر في 55 دولة، وحصدت 32 جائزة متميزة ما بين العالمية والإقليمية والمحلية، موضحة أنها تفضل البعد عن السياسة والدين في معارضها، حسب ما تعلمت مع غيرها من الفنانين من نصائح فناني الزمن الجميل. في ختام حديثها قالت إنها ليست بعيدة عن عصر التكنولوجيا لكنها لا تحبه في مجالها الفني، فالبصمة التي خلقها الله غير موجودة في الكمبيوتر، لذا أفضل وجود بصمة يدي في أعمالي، لأنها تعطي للعمل الفني خصوصيته وقيمته الأدبية والمادية، أما حلمها فهو رسم لوحة كبيرة جدا علي معلقات السجاد تتحدث عن الحرية والعطاء، ويتم تعليقها في مكان بارز في أحد ميادين القاهرة، ويكتب علي نسيجها عبارة "يا مصر يا أم الدنيا.. وبحب عشانها الدنيا".