مر عام.. ربما عامان أو أكثر، والرجل الذي تجاوزالسبعين من عمره، يسير علي مهل متكئاً علي عصاه، ليذهب كل صباح إلي حيث ترقد زوجته في دار الرعاية، مصابة بفقدان الذاكرة. عام.. عامان وأكثر، يحرص علي تناول الإفطار معها، يطعمها بيده، ويظل يحكي ساعات دون أن ترد عليه أو تستجيب... قالت الممرضة : لماذا ترهق نفسك طوال هذي السنوات.. إنها لا تعرفك ؟ قال: ولكني أعرفها..! الشاعر محمد الشهاوي يشبه هذا الرجل تماما.. يفيض بالمحبة والهدوء، لا تفارقه الإبتسامة والطيبة وحسن الظن والعطاء.. فيض من المشاعر لا تطلب ولا تنتظر.. صوفية تشبه قصيدته المتكئة علي إرث صوفي يخلو من الحليات والزوائد (مفتاح باب الوصول إلي باحة المطلق).. محمد الشهاوي شاعر قرية (عين الحياة) بكفر الشيخ (النحو الذي يسير علي قدمين) كما يسمونه في الشارقة.. محمد الشهاوي لم يتحصل سوي القليل من الشهرة.. والقليل من المال.. والقليل من كل شيء، إلا علاقته بالشعر الممتدة طوال 77 عاما، أعطته الكثير من الرضا والإطمئنان.. 7 دواوين شعرية (ثورة الشعر، قلت للشعر، إشراقات التوحد، المسافر في الطوفان، زهرة اللوتس ترفض أن تهاجر، أقاليم اللهب ومرايا القلب الأخضر، مكابدات المغني والوتر). يرقد حاليا شيخ الشعراء محمد الشهاوي في الغرفة 406 مستشفي العبور بطنطا، يعاني متاعب شديدة في الأمعاء تتسبب في عدم قبول الطعام.. تدخل حلمي نمنم وزير الثقافة بالسؤال وربما الرعاية.. ويطالب المثقفون بمنحه جائزة الدولة التقديرية، لكن شيخ الشعراء لا يطلب شيئا، ولا ينتظر شيئا.. فقط يستقبل زائريه (طفل في هيئة عالم) كما وصفه الشاعر الشاب محمد هشام.