المسيح قام... بالحقيقة قام بكل مشاعر الفرح والرجاء التى يفيض بها عيد القيامة المجيد، أتوجه بالتهنئة إلى الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة والشمامسة، وكل الإكليروس والخدام، وكل شعبنا المبارك فى كنائسنا وإيبارشياتنا وأديرتنا داخل وخارج مصر. إننا، وإذ نحتفل بهذا العيد المقدس، نستحضر معنى القيامة التى توحّدنا، وتجمعنا فى جسد واحد، هو جسد المسيح الحى، الذى قام ليمنحنا حياة جديدة، ورجاءً لا يزول. لتظل الكنيسة منارة نور، وشهادة حية لعمل الله فى العالم. لسنا اليوم أمام قصة تُروى، ولا أمام ذكرى تُستعاد، بل أمام حقيقة إلهية تهزّ الوجود كله المسيح قام... وصعد... وأيضًا يأتى. وهذه ليست أخبارًا عن المسيح فقط، بل هى خريطة حياة لكل إنسان يريد أن يخلص، فإن كنا قد آمنّا أنه قام، فلابد أن نقوم، وإن كنا نؤمن بأنه صعد، فلابد أن نرتفع، وإن كنا ننتظر مجيئه، فلابد أن نستعد. أولًا: قام...فصار الإنسان مستنيرًا البداية كانت عندما أخطأ آدم، واحتاج للخلاص، وصار محكومًا عليه حكم الموت، إن الخطية قد أصابت فكر الإنسان بالظلام وضميره بالضعف، ولكن الله أعطى وعدًا أن «نسل المرأة يسحق رأس الحية» (تكوين 3:15)، أى عدو الخير، وهنا كان التجسد، ونزل الله بنفسه إلى أرضنا ليخلصنا، وكان يجب أن يحمل عن آدم ونسله حكم الموت فى جسده، فصلب ومات، وأيضًا قام فى اليوم الثالث، وهذا الموت لم يكن مصادفة، بل هو من أجل حياة العالم كله. فالقيامة ليست قصة رمزية، بل حدث حقيقى ثابت له شواهد واضحة، أولها قبر فارغ، فحين ذهبت النسوة لم يجدن الجسد، ولو كان المسيح لم يقم، لكان أعداؤه قد أظهروا الجسد وانتهى الأمر، لكن القبر بقى فارغًا، لأن الذى كان فيه قد قام. كما أنه لم يظهر لشخص واحد فقط، بل لجموع، منهم مريم المجدلية، وللتلاميذ، ولأكثر من خمسمائة أخ معًا، ثم نرى تغيير التلاميذ بعد القيامة، إذ كانوا خائفين، مختبئين، ضعفاء وبعد القيامة، خرجوا يكرزون، ويواجهون الموت بشجاعة، فما الذى غيّرهم سوى رؤيتهم للمسيح القائم! وشوقهم لنشر الخبر المفرح للبشرية كلها، فالإنسان قد يموت من أجل ما يظنه حقًا وصدقًا، لكن لا أحد يموت من أجل كذبة يعرفها، لذا قدم التلاميذ حياتهم شهادة للقائم من بين الأموات. هذه الحقيقة الثابتة هى لتغيير حياتنا، فالمسيح الذى قام، قادر أن يقيمنا نحن أيضًا، ولم يكن قبره هو الذى انفتح فقط، بل انفتحت معه قبور كثيرة فى الإنسان، قبور لعادات قديمة تُضعف الإرادة، قبور لشهوات تُطفئ النور الداخلى، قبور لأفكار تسرق الرجاء، لذا حين قام المسيح، لم يُقم نفسه فقط، بل أقام معه كل من يريد أن يقوم، وكسر كل قبر داخلى، وأعلن أن الموت لا سلطان له بعد اليوم، «أستيقظ أَيُّهَا النائم وَقُمْ مِنَ الأموات فَيُضِيءَ لَكَ المسيح» (افسس 5: 14). القيامة ليست انتقالًا فى الزمن، بل انتقال فى الكيان، من إنسان يعيش فى الظل، إلى إنسان صار نورًا يمشى بين الناس. فالذى قام مع المسيح لا يعود يحب الظلمة، لا يطيق الخطية، لا يسكن فى أماكن الموت، إنسان تغيّرت عينه، فتبدّل نظره، وتنقّى قلبه، فصار نورًا. ألم تسمع كيف خرجت المجدلية من دموعها لتصبح شاهدة للقيامة! وتلميذى عمواس كيف انفتحت أعينهما! هكذا يفعل المسيح القائم، لا يُجمّل الإنسان من الخارج، بل يُغيّر طبيعته. القيامة تدعونا أن نخرج نحن أيضًا، كما خرجت مريم والتلميذان. نخرج من جمودنا، من خوفنا، من انغلاقنا على ذواتنا، لنبحث عن المسيح، فى وجه كل إنسان، فى خدمة المتألمين، وفى كل عمل محبة صادق، هناك يُرى، وهناك يُعلَن. إن النفس التى تؤمن بالقيامة، لا تبقى ساكنة، بل تصير كنفسٍ ملتهبة، تسرع دائمًا نحو الله، وتكتشف حضوره فى كل يوم جديد، ويتحول الإنسان من وضع النوم والسكون والموت إلى إنسان قائم، منتبه، نشيط، ينير الطريق، ليس لنفسه فقط، بل أيضًا للآخرين. وهكذا تتحول القيامة من مناسبة إلى حياة، ومن تذكار إلى لقاء حى دائم مع المسيح القائم، الذى يهب الحياة لكل من يطلبه بصدق. ثانيًا: صعد... فصار الإنسان ساميًا كما أن القيامة حقيقة ثابتة، هكذا أيضًا صعود المسيح ليس فكرة رمزية، بل حدث إلهى مُعلن فى الكتاب المقدس. فالكتاب يشهد بوضوح: «ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم» (أعمال الرسل 1: 9)، لم يكن الصعود خفيًا، بل تم أمام عيون التلاميذ، لكى يكون شهادة حيّة لا تُنكر. ويؤكد الكتاب المقدس أن هذا الصعود ليس غيابًا، بل دخول إلى المجد: «الذى إذ صعد إلى العلاء سبى سبيًا وأعطى الناس عطايا»(أفسس 4: 8) أى أن المسيح بصعوده: أعلن الغلبة، وفتح السماء، وأعطى نعمة للإنسان، فهو لم يصعد ليبتعد، بل صعد ليَشفع فينا، ويحملنا فيه إلى حضرة الآب. ولذلك أعطانا وعدًا حيًا: «أنا أمضى لأُعد لكم مكانًا... وآتى أيضًا وآخذكم إليّ» (يوحنا 14: 2-3) إذًا الصعود ليس نهاية القصة، بل بداية رجاء. إن كان المسيح قد صعد... فهو يدعونا نحن أيضًا أن نرتفع: «إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق» (كولوسى 3: 1) فالصعود ليس مجرد عقيدة نؤمن بها، بل حياة نعيشها كل يوم، فالقصة لا تنتهى عند القيامة... فالذى قام، لا يبقى فى الأرض...بل يرتفع... يسمو... يصعد، المسيح الذى قام من الموت، لم يعد ليسكن فى التراب، بل صعد إلى السماء...وهكذا الإنسان الذى قام معه، لا يعود عبدًا للأرضيات.» «فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ.» ( كولوسى 3: 1). الصعود ليس رحلة مكان، بل رحلة قلب... أن ترتفع: فوق شهوة تُقيّدك، فوق غضب يُشعل داخلك، فوق محبة عالم تزول. الصعود هو أن تعيش على الأرض...لكن قلبك فى السماء. أن تمشى بين الناس، لكن فكرك فى الله. أن تُجرَّب لكن لا تسقط، أن تُحارَب لكن لا تُهزَم. الإنسان القائم، إن لم يصعد، يعود ويسقط، أما الذى يصعد، فهو إنسان بالحقيقة لا تُثقله الخطية، نقى لا تُلطخه الشهوة، ثابت، لا تزعزعه الأفكار. إننا فى كنائسنا نصلى فى كل صباح ونقول «قوموا يا بنى النور لنسبح رب القوات»، وهو تذكره يومية للاستنارة والسمو. ثالثًا: وأيضًا يأتى... ليستعد الإنسان لمجيئه وهنا نصل إلى الحقيقة، التى كثيرًا ما ينساها الإنسان أو يتناساها، أن الذى قام، والذى صعد سيأتى أيضًا. لكنه لن يأتى هذه المرة مخلّصًا فقط، بل ديّانًا عادلًا. لأنه لا بد أننا جميعًا نقف أمام كرسى العرش، ونحاسب على حياتنا الأرضية واستعدادنا للسماء. سيأتى، لا ليسأل ماذا قلت؟ بل كيف عشت؟ لا ليسأل عن المظاهر، بل عن القلب، سيأتى وسيفتح الكتب، لا ليُدين، بل ليُعلن الحق، حينها: سيظهر الخفى، ويُكشف المستور، ويُعطى كل إنسان بحسب أعماله. وفى انتظارنا لمجىء السيد المسيح، نضع أمامنا حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن كل إنسان سيقف أمام الله بمفرده، بلا أعذار، وبلا تبريرات، وبلا اتكاء على أحد. فالطريق، وإن سرنا فيه معًا، إلا أن نهايته شخصية، حيث يلتقى كل إنسان بوجه الحق. «فإذًا كل واحد منا سيعطى عن نفسه حسابًا لله» (رومية 14: 12) إنها لحظة ينكشف فيها كل شىء: ما خفى فى القلب، وما عُمل فى الخفاء، وما ظنّه الإنسان أنه قد نُسى. هناك لا تنفع المظاهر، ولا تُجدى المقارنات بالآخرين، لأن السؤال لن يكون: ماذا فعل غيرك؟ بل: ماذا فعلت أنت؟ وهكذا يدعونا السيد المسيح أن نعيش فى يقظة دائمة، لا بخوفٍ مُربك، بل بمسئولية واعية، ندرك فيها أن حياتنا هى عطية، وأن كل يوم نعيشه هو فرصة نُعدّ بها جوابنا. فلا يختبئ الإنسان خلف ضعف الآخرين، ولا يبرر تقصيره بظروفه، بل يقف فى صدقٍ أمام الله، مجاهدًا، أمينًا، ساهرًا. إن انتظار المجىء الثانى ليس انتظارًا سلبيًا، بل هو حياة تُعاش فى أمانة وسهر، لأن كل لحظة نعيشها الآن، هى سطر يُكتب فى جوابنا أمام الله. لكنه أيضًا ليس انتظار خوفٍ واضطراب، بل هو اشتياق القلب إلى اللقاء، وحنين إلى الحياة مع الله، فالمؤمن الحقيقى لا ينتظر بقلق، بل برجاء حيّ، كما يقول الرسول: «منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح» (تيطس 2: 13) إنه انتظار لا يقوم على الخوف، بل على المحبة، وهكذا يتحول ترقّب المجىء من رهبة إلى لهفة، ومن خوف إلى شوق، فنردد مع الكنيسة فى كل حين:»آمين. تعال أيها الرب يسوع» (رؤيا 22: 20) نرددها بقلب مشتاق، قلب عرف الله وأحبه، فصار ينتظر مجيئه كعريس سماوى. وكما يقول الكتاب:» وأما نحن فإنما سيرتنا هى فى السماوات، التى منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح» (فيلبى 3: 20) لذلك نحيا فى هذا العالم، لكن قلوبنا معلّقة بالسماء، نعمل بأمانة، ونسهر برجاء، ونحب بإخلاص، منتظرين تلك اللحظة التى فيها يكتمل اللقاء، ونفرح به إلى الأبد. إن حياتك ليست صدفة... وأيامك ليست عبثًا وكل لحظة تعيشها، مكتوبة ومحفوظة وستُعلن. فإن كنت قد قمت فاثبت فى نورك. وإن كنت قد بدأت تصعد فلا تنظر إلى الوراء. وإن كنت تنتظر مجيئه فكن مستعدًا كل حين. فى الختام نرفع قلوبنا أولًا بالشكر إلى الله، ضابط الكل، الذى يقود حياتنا وشعوبنا فى طريق المحبة والسلام، ونرفع صلاتنا من أجل العالم كله، فى هذه الأزمنة التى تموج بالتحديات والاضطرابات، لكى يسكب الله سلامه فى قلوب البشر، ويبدّد روح العداوة والانقسام، ويمنح البشرية روح المحبة والوحدة. كما نصلى من أجل مصر، أن يحفظها الرب آمنة مستقرة، مباركة فى أرضها وشعبها، وأن يديم عليها نعمته وسلامه. كما نُعرب عن تقديرنا العميق لفخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى، شاكرين جهوده المستمرة فى ترسيخ دعائم السلام، سائلين الله أن يمنحه الحكمة والقوة، وأن يوفقه فى كل ما فيه خير البلاد ورفعة شأنها، وأن يسنده فى مساعيه لنشر السلام والاستقرار. ونتقدّم بخالص التقدير والامتنان إلى جميع السادة المسئولين، لما يبذلونه من جهود صادقة وأعمال مخلصة فى خدمة الوطن ورعاية أبنائه. لنكون جميعًا سفراء للسلام، نحمله فى قلوبنا وننقله إلى كل من حولنا، مستمدين قوتنا من ملك السلام، ربنا يسوع المسيح، الذى قال: «سلامًا أترك لكم، سلامى أعطيكم». (يوحنا14: 27) فلنحيا هذا السلام، ولننشره، ليصير عالمنا أكثر نورًا، وقلوبنا أكثر امتلاءً بالرجاء. حفظ الله مصر... ومنح العالم سلامه الحقيقى.