د. ريم بسيونى فى عالمنا نسيان اسم المرأة أسهل كثيرًا للأسف من نسيان اسم الرجل. وربما هذا سببه الأساسى أنها عندما تعمل لا تنتظر شهرة او إطراء شهر مارس يذكرنا بدور المرأة مع أن دورها لا يحتاج الى تذكير بالطبع. ولكنه أيضا شهر عيد ميلادي. وهذا الشهر بالتحديد كان فارقا بالنسبة لى لأن روايتى «كوم النور: عباس حلمى الثاني» صدرت فى أواخره بعد رحلة من البحث العلمى والكتابة امتدت الى عامين. ولكن ما علاقة رواية عن عباس حلمى الثانى بشهر المرأة ودور المرأة؟ فى هذا الشهر دعونى أتحدث مع القارئ عن المؤرخات المصريات الفارقات فى مجال التاريخ على مستوى العالم، وعن دور المرأة الباحثة بوجه عام. وقبل أن أتكلم عنهن بالأسماء أريد أن أتكلم عن تجربتى الشخصية فى العمل مع المرأة سواء كرئيس او زميل او أستاذ. تتميز المرأة المصرية بالنسبة لى بقدرة فائقة على التركيز وإتقان العمل والصدق والعدل فى المعاملة. ولا أظن أنها مصادفة أننى عندما انتقلت الى الولاياتالمتحدةالامريكية كان من شجعنى على البحث والعمل هناك وأعطانى اول فرصة، امرأة مصرية وهى د. مشيرة عيد المتخصصة فى علوم اللغويات الشهيرة على مستوى العالم. كانت أيقونة فى المبادئ، والأخلاق، والعلم والتواضع. وعندما نشرت اول كتاب علمى لى فى بريطانيا كنت وحيدة. كان اول كتاب عن علم اللغة الاجتماعى فى الوطن العربي، ومع شهرة علم اللغة الاجتماعى على مستوى العالم لم يكن البحث قد تطور بعد فى وطننا العربى عن هذا العلم بالقدر الكافي، ولم يكن الاهتمام من الغرب موجودا بهذه المنطقة المهمة جدا وهذه اللغة الحيوية التى تعتبر رابع لغة على مستوى العالم فى عدد المتحدثين. كتبت كتابى وبدأت فى حضور المؤتمرات العلمية لأجد عددا بسيطا من الأساتذة فى الغرب يهتم بالموضوع، بل وأجد أن لكل أستاذ فى الغرب مجموعة من الطلاب يساندهم ويرفع من شأنهم. كنت حينها قادمة من مصر حتى بعد ان حصلت على درجة الدكتوراة من جامعة أكسفورد لم أحظ بعد باهتمام اكاديمى عالمي. ثم جاءت أستاذة مصرية أخرى كانت حينها رئيسة لقسم كبير فى أمريكا وكانت من الأسماء الكبيرة فى علم اللغة الاجتماعي. كتبت الأستاذة عرضا لكتابى العلمى فى أكبر جرنال علمى عن هذا الموضوع فى العالم وكان عرضا شديد الإيجابية. الغريب أننا حينها لم نكن قد تقابلنا ابدا مع اننى كنت قد قرأت أعمالها الرائعة وأعرف اسمها. اخذت بيدى فى بداية الطريق دون معرفة سابقة أو مصلحة قادمة. ساعدتنى فقط لإيمانها بالكتاب والمؤلف. بدأت منذ ذلك الحين تتوالى العروض عن الكتاب وأصبح من اشهر الكتب فى الغرب والأول فى هذا المجال. كانت الأستاذة هى د. علية رشدى التى لم اقابلها إلا بعد أكثر من عشرة أعوام من نشرها هذا العرض الدقيق المتقن العادل دون معرفة سابقة. تعلمت من هؤلاء معنى الموضوعية والصدق والإخلاص فى العمل دون مقابل مادى او معنوى او حتى رغبة فى سماع كلمة شكرا. ثم شاء الله أن أعود إلى مصر وأعمل فى الجامعة الأمريكية وتكون رئيسة القسم أيضا عالمة مصرية قديرة لم نكن قد تقابلنا قبلها وهى د. اميرة عجمية وكانت قمة فى التواضع والعمل والإخلاص أيضا. احفظوا هذه الأسماء فلابد لأسماء السيدات ان تبقى. علم التصوف وأنا أدرس علم التصوف لاحظت كمية النساء العابدات المجتهدات اللاتى أثرن فى هذا العلم الهام، ولكن فى عالمنا نسيان اسم المرأة أسهل كثيرا للأسف من نسيان اسم الرجل. وربما هذا سببه الأساسى انها عندما تعمل لا تنتظر شهرة او إطراء. لم تكن صدفة ان اتجه الى الكتابة التاريخية، فأجد أننى استفيد استفادة كبيرة من مؤرخات مصريات غيرن طريقة ومنهج فهم التاريخ المصرى ولابد من تدريسهن فى مدارسنا وجامعاتنا. سأبدأ باسمين لأنهما أثرا فى بحثى العلمى عن الخديو عباس حلمى الثانى بطل روايتى الجديدة كوم النور. الدكتورة أميرة سنبل والدكتورة عفاف لطفى السيد مارسو. الاثنتان ساعدتا معا فى إخراج إرث وإنجازات عباس حلمى الثانى الى النور. ولهما الشكر منى ومن كل الشعب المصرى لأنهما كمؤرختين مصريتين ساعدتا فى نشر التاريخ والمعرفة وإعادة فهم الماضي. تاريخ مصر كنت قد تعرفت على اعمال الأستاذة القديرة د.عفاف لطفى السيد مارسو وأنا اكتب كتابى علم اللغة الاجتماعى فى الوطن العربى لأنى كنت احتاج حينها لفهم علاقة اللغة بالتاريخ. قرأت للدكتورة عفاف كتابين عن تاريخ مصر: واحد عن تاريخ مصر الحديث وواحد عن تاريخ مصر منذ العصر الإسلامى وحتى العصر الحديث. ولكن اريد ان أوضح للقارئ ان كتابة تاريخ مصر فى ثلاثمئة صفحة عمل خارق يحتاج الى عبقرية وكانت عفاف لطفى السيد عبقرية بمعنى الكلمة. لم ازل أتذكر اننى توقفت عند مشاهد بعينها فى كتابها عن تاريخ مصر الحديث منها الحروب التى خاضتها مصر ومشاعر الوطنية التى تغمر الشعب المصرى على مر العصور. ما قدمته هذه المؤرخة لتاريخ مصر يحتاج كتبا ومقالات عديدة. تكتب بشغف وحب وتكتب بمعرفة وبحث علمى جاد. استمتعت بالقراءة وليس فقط بالمعلومات. اسلوبها حيوى طازج كأنها تحكى لنا حكاية من القلب لتصل للقلب. سعدت وشعرت بالفخر أن عفاف لطفى السيد هى اول مصرية تتخرج فى جامعة أكسفورد فى تخصص التاريخ. وهذه هى جامعتى التى تخرجت فيها وحصلت منها على الماجستير والدكتوراة. وكنت انا اول سيدة مصرية تحصل على درجة الدكتوراة فى اللغويات من جامعة أكسفورد وهذا شرف مسئولية. لأننا امام سيدات عبقريات مثل د.عفاف لطفى السيد ووجب هنا ذكر مؤرخة أخرى تخرجت فى نفس الجامعة أيضا فى علم المصريات وهى د. فايزة هيكل وكانت اول امرأة مصرية تعمل فى البعثات الاثرية فى مصر. ولكننى قبل كتابة رواية عن عباس حلمى الثانى كنت قد غصت فى التاريخ الإسلامى وكتبت عدة روايات عنه. اتوقف هنا عند رواية القطائع: ثلاثية احمد بن طولون. أحمد بن طولون وأنا ابحث عن تاريخ أحمد بن طولون وجدت كنزا يستحق منا دراسة وفهما وتدريسا أيضا. الأستاذة الجليلة د. سيدة إسماعيل الكاشف. هذه المؤرخة التى كتبت كتابا اظنه بالنسبة لى أجمل ما قرأت عن تاريخ احمد بن طولون على الاطلاق. ولكن المؤرخات لديهن صبر وإتقان ومثابرة تجعل العمل عملا متواصلا ومشروعا كبيرا. استمرت د. سيدة فى الكتابة عن التاريخ الإسلامى والدول المستقلة فى مصر ثم كتبت كتابا جمعت فيه اهم المصادر لقراءة التاريخ المصرى الإسلامى فغيرت بأعمالها العلمية طريقة النظر الى التاريخ من وجهة نظري. ولأننا نحفظ الأسماء فلابد ان اذكر بعض أسماء اساتذتى فى جامعة الإسكندرية: د.نازك فهمي، د.اميرة نويرة، د.نادية بشاي، د.ليلى مرسى ود.زينب رأفت ود. سحر حمودة. درسن لى جميعا وهناك غيرهن كثيرات يعملن بفهم وذكاء. مدرسات غيرن طريقة فهمنا للعالم وأمهات ربين أولادهن على العدل. لن تسع الصفحات أسماء النساء، ولكن لابد من البدء فى تدوينها. هذه امثلة لسيدات مصريات عملن دون صخب او اهتمام بالشهرة عملن بحب وشغف وصدق. وعملن أولا وأخيرا بإخلاص للوطن ولمنهج البحث العلمى معا. نقف الآن لننحنى لكل امرأة عربية وليس فقط مصرية اضطرت الى ان تعمل ضعف الرجل لتصل الى ما يصل اليه. ولكل امرأة نجحت على أكثر من مستوى فى العطاء للعالم ولبلدها نقول شكرا لك للنور الذى تنشرينه.