كتبت – مي فرج الله تشير تقديرات متزايدة في الأوساط التحليلية إلى أن الحرب في أوكرانيا والتصعيد المرتبط بإيران في الشرق الأوسط لم يعودا مسارين منفصلين، بل باتا يتقاطعان بشكل متسارع. ومع التداخل بين مسارين لمواجهتبن في بلدين منفصلين تبعد بينهما آلاف الأميال بدأ طرح جديد لفكرة اندماج الصراعين ضمن سياق جيوسياسي أوسع. مسيرات شاهد تشارك بحرب أوكرانيا قالت صحيفة الجارديان البريطانية أنه رغم صعوبة التنبؤ بمآلات هذا التشابك، فإن المؤشرات الحالية توضح أن تداخلهما يوسّع نطاق عدم الاستقرار، ويدفع مزيدًا من الأطراف الإقليمية والدولية إلى الانخراط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ديناميكيات صراع ممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط. فمن منظور أوكراني، لا يُعد هذا الترابط مستجدًا بالكامل، إذ بدأت روسيا بالفعل منذ سبتمبر 2022 في توظيف الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" ضمن عملياتها العسكرية، بعد أشهر قليلة من بدء الغزو الشامل. غير أن التطور اللافت في المرحلة الراهنة يتمثل في تحوّل العلاقة إلى مسار تبادلي أكثر وضوحًا، مع تزايد التقارير التي تشير إلى تقديم موسكو دعمًا لطهران يشمل معلومات استخباراتية وبيانات استهداف، إلى جانب تقنيات عسكرية، خصوصًا في أعقاب التصعيد العسكري الأخير مع الولاياتالمتحدة وحلفائها. وفي هذا السياق، برزت تحركات أوكرانيا في الشرق الأوسط بوصفها عاملًا إضافيًا في تعميق هذا التشابك، حيث سعى الرئيس فولوديمير زيلينسكي خلال جولاته الأخيرة إلى توسيع نطاق التعاون الأمني والعسكري مع عدد من دول الخليج، عبر اتفاقيات شملت تزويدها بتقنيات الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي وبرامج التدريب. ويعكس هذا التوجه تحولًا تدريجيًا في موقع أوكرانيا داخل النظام الأمني الدولي، من دولة تعتمد على الدعم الخارجي إلى فاعل يسعى لتصدير خبراته العسكرية، لا سيما في مجالات الحرب غير التقليدية والتكنولوجيا منخفضة التكلفة. أسواق الطاقة مسرحا للصراع وقال جوليان بورغر، كبير المراسلين بالصحيفة البريطانية ، يتجلى التداخل بين الصراعين بشكل واضح في أسواق الطاقة العالمية، التي باتت ساحة غير مباشرة للتأثير المتبادل. وتابع قائلا: أدى التصعيد في منطقة الخليج، وما صاحبه من تهديدات للملاحة في مضيق هرمز، إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما وفر متنفسًا اقتصاديًا لروسيا في ظل الضغوط الغربية المتواصلة وأضاف أن اضطرابات الإمدادات ساهمت في دفع عدد من الدول الآسيوية إلى زيادة اعتمادها على النفط الروسي. في المقابل، كثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة الروسية في محاولة لتقليص هذه المكاسب، ما أدى إلى تعطيل جزء ملموس من قدرات التصدير. أوكرانياوإيران.. حربان يتشابكان وعلى الصعيد الدولي، يعكس التعامل مع هذا الترابط تباينًا واضحًا في المواقف، إذ تميل بعض الدول الأوروبية إلى الاعتراف بوجود صلة وثيقة بين الحربين، والتحذير من تداعياتها. بينما تتبنى الولاياتالمتحدة مقاربة أكثر حذرًا، تتجنب الربط المباشر رغم تزايد المؤشرات على التعاون الروسي الإيراني. ويظهر هذا التباين أيضًا في طبيعة الضغوط الممارسة، حيث تتعرض أوكرانيا، وفق تقارير، لضغوط للحد من استهداف منشآت الطاقة الروسية، في وقت يبدو فيه التعامل مع الدور الروسي في دعم إيران أقل حدة. وأما بالنسبة لموسكو، فإن تعميق انخراطها في دعم إيران يمثل فرصة لإعادة ترسيخ حضورها الجيوسياسي، خاصة بعد التحديات التي واجهتها نتيجة الحرب في أوكرانيا. ويبدو أن الاستراتيجية الروسية تسعى إلى استثمار تعدد بؤر التوتر لإطالة أمد الصراعات واستنزاف خصومها، مع محاولة إبراز حدود القدرة الأمريكية على تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة. في المقابل، تستفيد إيران من هذا التعاون في تطوير قدراتها، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الهجينة. حروب غير تقليدية وفي ضوء ذلك، يحذر عدد من المحللين من أن هذا التشابك المتزايد بين الصراعات قد يقود إلى تداعيات أوسع تتجاوز الإطارين الإقليميين، بما في ذلك إعادة تشكيل التحالفات الدولية، وتصاعد أنماط الحرب غير التقليدية، فضلًا عن تفاقم الضغوط على الاقتصاد العالمي في مجالات الطاقة والغذاء ، كما يثير الوضع تساؤلات بشأن إمكانية استغلال قوى دولية أخرى لحالة الانشغال الاستراتيجي الأمريكي في أكثر من ساحة. وختم كبير المراسلين بالجارديان حديثه قائلاً ، لا يشير الواقع الراهن إلى اندلاع حرب عالمية بالمعنى التقليدي، لكنه يكشف عن نمط متطور من الصراعات المترابطة، حيث تتقاطع الأبعاد العسكرية مع الاقتصادية والتكنولوجية، في مشهد يعكس درجة عالية من التعقيد وعدم اليقين، ويُنذر بإعادة تشكيل تدريجية في بنية النظام الدولي.