في لحظة تتحول فيها التجربة الإنسانية إلى حالة فنية صادقة، تفتح المطربة اللبنانية دوللي شاهين قلبها لتروي حكاية أغنيتها الجديدة "وحشاني ياما"، التي لم تكن مجرد عمل غنائي بقدر ما كانت تعبير صادق عن اشتياقها لوالدتها التي رحلت في يناير الماضي.. في الحوار التالي تتحدث دوللي عن أثر رحيل والدتها على حياتها الفنية والإنسانية، وعن علاقتها الخاصة بها، وتفاصيل الاستعانة بتقنية الذكاء الاصطناعي في الكليب الخاص بالأغنية، كما تكشف عن موقفها من التجديد الفني، وصناعة الموسيقى في العالم العربي، وصولًا إلى علاقتها بالجمهور وضغوط السوشيال ميديا. في البداية.. ما اللحظة أو الشعور الذي شكل الشرارة الأولى لإصدار أغنية "وحشاني ياما"؟ لحظة رحيل والدتي هي الشرارة الأولى والحقيقية لإصدار الأغنية، إذ لم يكن الأمر مجرد حزن عابر، بل كان فقدًا عميقًا غير الكثير داخلي، شعرت بفراغ كبير لا يمكن وصفه، وفي تلك اللحظات، لم أجد وسيلة أعبر بها عن هذا الألم سوى الموسيقى، كل كلمة في الأغنية خرجت من وجع حقيقي، وكل إحساس فيها هو انعكاس لذكرياتي معها واشتياقي لها في أدق التفاصيل اليومية، فالأغنية بالنسبة لي لم تكن مجرد عمل فني، بل كانت محاولة للبوح، وللاحتفاظ بجزء من روحها معي. لماذا اخترت التعبير عن حزنك من خلال أغنية في هذا التوقيت؟ لأنني في الأساس فنانة، وأقرب وسيلة للتعبير عن مشاعري كانت دائمًا الغناء، وفي هذا التوقيت تحديدًا، لم أكن أملك رفاهية تأجيل مشاعري أو كتمانها، فكان لا بد أن أعبر عما بداخلي بشكل صادق لذا شعرت أن هذه الأغنية جاءت في وقتها تمامًا، لأنها لم تكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كانت حاجة داخلية ملحة للبوح، ولمشاركة هذا الحزن مع الجمهور بشكل إنساني حقيقي، فأحيانًا يكون الفن هو الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها أن نخفف عن أنفسنا، وهذا ما حدث معي في هذه التجربة. هل استندت كلمات الأغنية إلى مواقف وتجارب حقيقية عشتها مع والدتك؟ الأغنية في الأساس تعبر عن شعوري الحالي بعد غياب والدتي، أكثر مما تسرد مواقف بعينها، هي حالة كاملة أعيشها بكل تفاصيلها منذ رحيلها، إحساس الاشتياق، والفراغ، والحنين لكل لحظة كانت موجودة فيها، ربما لا تحكي كلمات الأغنية قصة محددة، لكنها تحمل مشاعر حقيقية جدًا نابعة من يومياتي بعد فقدانها، من أشياء بسيطة كانت تجمعنا وأصبحت الآن مجرد ذكريات، لذلك أعتقد أن أي شخص مر بتجربة الفقد يمكن أن يجد جزءًا من نفسه في هذه الأغنية. كيف وازنتِ بين مشاعرك الشخصية وتقديم عمل فني يلامس الجمهور؟ في هذا العمل تحديدًا، لم أكن أتعامل معه باعتباره مجرد أغنية بالمعنى الفني التقليدي، بل كان تعبيرًا صادقًا عن مشاعري تجاه والدتي، لذلك لم يكن هناك فصل حقيقي بين مشاعري الشخصية وبين العمل الفني، لأن الإحساس نفسه كان هو الأساس الذي بنيت عليه الأغنية بالكامل، كل ما في الأغنية خرج من حالة إنسانية خاصة جدًا أعيشها، ولم أكن أفكر وقتها في حسابات فنية بقدر ما كنت أعبر بصدق عن فقدي واشتياقي لها، ربما بعد الانتهاء من العمل يمكن النظر إليه كمنتج فني يصل إلى الجمهور، لكن أثناء التجربة نفسها كان الأمر أقرب إلى البوح الصادق منه إلى صناعة عمل فني تقليدي. ما أصعب لحظة واجهتكِ أثناء تسجيل الأغنية؟ لم تكن هناك لحظة بعينها هي الأصعب، لأن تجربة تسجيل الأغنية بالكامل كانت شديدة القسوة بالنسبة لي، كان من الصعب جدًا أن أقف أمام الميكروفون وأغني لها وهي لم تعد موجودة، هذا الإحساس كان مؤلمًا بشكل لا يوصف، كل كلمة كنت أرددها كانت تفتح جرحًا داخليًا، وتجعلني أسترجع غيابها بشكل أقسى، كانت تجربة مرهقة نفسيًا ومؤلمة جدًا، لكنها في الوقت نفسه كانت صادقة للغاية، لأن كل ما خرج مني كان نابعًا من قلب موجوع ومشتاق. إلى أي مدى أثر رحيل والدتك فيكِ على الصعيدين الفني والإنساني؟ رحيل والدتي كان من أصعب التجارب التي مررت بها في حياتي، وتأثيره لا يمكن اختصاره في كلمات، أي شخص فقد والدته يدرك تمامًا حجم هذا الألم، لأنه شعور يتجاوز الوصف، على الصعيد الإنساني، شعرت بفراغ كبير وغياب السند الحقيقي، فالأم ليست مجرد شخص في حياتنا، بل هي الأمان والدعم والاحتواء في كل تفاصيلنا اليومية، أما على الصعيد الفني، فقد انعكس هذا الحزن بشكل واضح على إحساسي واختياراتي، وجعلني أرى الفن كوسيلة للتعبير ونوع من المواساة التي أقدمها لنفسي قبل أن تصل إلى الجمهور. كيف تصفين علاقتك بوالدتك؟ كانت والدتي بالنسبة لي أكثر من مجرد أم، كانت حبيبتي الصغيرة وروحي القريبة مني جدًا، علاقتنا لم تكن تقليدية، بل كانت مليئة بالحب والدلال والاحتواء، لدرجة أنني كنت أتعامل معها أحيانًا وكأنها ابنتي التي أحبها وأخاف عليها وأدللها، حيث كنا قريبين من بعض في كل التفاصيل، نشارك الضحك والكلام وحتى أبسط اللحظات اليومية، ووجودها كان يمنحني شعورًا بالأمان والراحة لا يمكن تعويضه، حيث كانت السند الحقيقي في حياتي، وأقرب إنسانة إلى قلبي، ولهذا فإن غيابها ترك فراغًا كبيرًا لا يمكن أن يعوضه أحد. كيف وظفتِ تقنية الذكاء الإصطناعي في الفيديو كليب الخاص بالأغنية؟ حرصنا على توظيف تقنية الذكاء الاصطناعي بشكل إنساني يخدم الفكرة والمشاعر خاصة في المشاهد الخاصة بوالدتي، حيث قمنا بتحويل بعض صورها الحقيقية إلى لقطات نابضة بالحياة، بحيث تبدو وكأنها مشاهد حقيقية تجمع بين مراحل مختلفة، ما بين فترة مرضها واللحظات الجميلة التي عشناها سويًا، فضلًا عن أنه كان محاولة لإحياء الذكريات لا سيما أن هذه المشاهد كانت قريبة جدًا مني، وتعاملت معها بحذر شديد حتى تظل صادقة وتحافظ على خصوصية العلاقة بيني وبينها، وفي الوقت نفسه تصل إحساسها للجمهور بشكل مؤثر. هل تميلين إلى التجديد والتجريب أم تُفضلين الحفاظ على لون فني ثابت؟ أنا بطبيعتي أميل إلى التجديد والتجريب، سواء في الفن أو حتى في حياتي بشكل عام لأن الروتين يسبب لي حالة من الملل ولا يمنحني الدافع للاستمرار، وأحب دائمًا أن أكتشف مناطق جديدة في صوتي وأقدم ألوانًا مختلفة، وأرى أن التنوع لا يعني فقدان الهوية، بل يصنع شخصية فنية متجددة وقادرة على الاستمرار، لذلك أحرص على أن يكون لكل عمل بصمته الخاصة، وفي الوقت نفسه أحافظ على الإحساس الذي يميزني ويصل إلى الجمهور، فبالنسبة لي، التجديد هو عنصر أساسي في نجاح أي فنان واستمراريته. كيف ترين تطور صناعة الموسيقى في السنوات الأخيرة؟ لا أرى أن هناك تطورًا حقيقيًا في صناعة الموسيقى، بل أشعر أحيانًا أننا نتراجع إلى الوراء، رغم توفر الإمكانيات والتكنولوجيا بشكل أكبر من أي وقت مضى، إلا أن ذلك لم ينعكس دائمًا على جودة الأعمال المقدمة، حيث أن هناك تركيز كبير على السرعة والانتشار والترند، على حساب القيمة الفنية. أنتِ من أكثر الفنانات تفاعلًا عبر مواقع السوشيال ميديا.. كيف تصفين علاقتك بجمهورك؟ لا أعتبر نفسي من الفنانات كثيرات التفاعل اليومي على مواقع السوشيال ميديا، لكنني في المقابل أحرص على التواجد بشكل منظم حيث أنني أحرص على مشاركة جمهوري كواليس أعمالي وخطواتي الفنية أولًا بأول، لأنني أرى أن هذا النوع من التواصل صادق ويقربهم مني بشكل حقيقي. هل تشعرين أن السوشيال ميديا أضافت للفنان أم وضعت عليه ضغوطًا أكبر؟ وضعت ضغوطًا كبيرة على الفنان في الوقت الحالي، صحيح أنها منحت مساحة أكبر للانتشار والتواصل مع الجمهور، لكنها في المقابل وضعت على الفنان أعباء إضافية لم تكن موجودة من قبل، إذ أن اليوم لم يعد كافيًا أن يقدم الفنان عملًا جيدًا فقط، بل أصبح مطالبًا بالاهتمام بشكل مستمر بالمحتوى الذي ينشره، وطريقة ظهوره، والتفاعل الدائم مع الجمهور، إلى جانب ذلك، السوشيال ميديا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة لإنتاج محتوى احترافي قادر على المنافسة والوصول، سواء من حيث التصوير أو الإخراج أو حتى الحملات الترويجية، وهذا يجعل الأمر صعبًا على الكثير من الفنانين، خاصة في ظل المنافسة الكبيرة، لذلك أرى أنها سلاح ذو حدين، فتحت أبوابًا جديدة، لكنها في الوقت نفسه فرضت تحديات وضغوط ليست سهلة على الجميع. اقرأ أيضا: دوللي شاهين تطرح أحدث أغانيها «واحشاني يامه»