◄ لو خرجت وحدي لا أغطى شعري.. وبناتي يرتدين البناطيل ◄ أبنائى متزوجون من ألمانيات وأتكلم معهن بالإنجليزية يختزل الكثيرون رجال التلاوة في صورة نمطية جامدة، كأن الواحد منهم مجرد عمامة ومصحف وصوت خاشع فقط، لكن فى عام 1966 دخلت الكاتبة الصحفية الكبيرة نعم الباز بيت المقرئ الشهير الشيخ مصطفى إسماعيل وتحدثت معه ومع زوجته، وكشف هذا الحوار النادر ل«آخرساعة» أن حياة الشيخ كانت أوسع كثيرًا من الصورة النمطية لرجال الدين، فالأسرة تتحاور بلغات أجنبية، والأبناء يتزوجون ألمانيات، وزوجة الشيخ نفسها تضع الماكياج وتخرج للشارع بشعرها وتتابع الموضة دون أن ترى فى ذلك تناقضًا مع الاحتشام. في ذلك البيت كانت أغنيات أم كلثوم وعبدالوهاب حاضرة في الحديث اليومي، مثلما يحضر الحديث عن قراءة القرآن.. عالم يجمع بين الطرب والتجويد، وبين الأناقة والوقار، وفيما يلى نص الحوار بتصرف محدود: «وأمّا بنعمة ربِك فحدِّث».. قالها الشيخ وهو يرفع يديه إلى أعلى، وظهرت طيات القفطان الفضى المقلِّم تلمع تحت «الكاكولة» الرمادي الغامقة والعِمامة خلفها، وعلَّقها على الشمَّاعة المصنوعة من خشب الورد، مثل بقية أثاث حجرة نوم الشيخ.. السرير مكسو بالحرير الأزرق الهادئ، والشيفونير قطعة فنية فوقها رخامة رائعة.. وتنظر زوجة الشيخ بخجل إلى زوجها وهو يقول: «حجرة نومي ثمنها ثلاثة آلاف جنيه.. أنا لا أضيِّق على نفسى، فكل ما أكسبه أنفقه مع ادخار للزمن، لأن الادخار أيضًا إنفاق ولكنه إنفاق مؤجل لفترة قادمة». ◄ سألت زوجة الشيخ: زوجك مقرئ أى حامل للقرآن الكريم، فإلى أى مدى تتدخل الناحية الدينية فى تربية الأولاد؟ زوجى يؤمن بأن الدين أخلاق ومعاملة وليس تزمتًا وشكليات، وقد اتفقنا ألا يتدخل بينى وبين الأولاد، وألا أطلب معونته إلا فى الأحوال القهرية جدًا، واتفقنا على أن ألف باء التربية هى الطاعة وتنفيذ التعاليم الدينية، كالصلاة والصيام. ◄ اقرأ أيضًا | الصدفة تجعل الشيخ مصطفى إسماعيل مقرئًا للقصر الملكى ■ الشيخ مع ابنته إنجي عام 1939 ◄ كم عدد أولادك؟ ما شاء الله ستة، 3 صبيان و3 بنات.. طبعًا على أيامنا ما كانشى طلع تحديد النسل، وإلا كان زمان عندى 3 بس، وعلى كل حال البنات اتجوزوا، واثنين من الصبيان اتجوزوا، وباقى واحد بس. ◄ ما علاقتك بزوجتي ابنيك؟ - أولادي الاثنين اتجوزوا ألمانيات، وأنا أعتقد أن الإنسان الكويس لازم الناس تكون كويسة معاه. ◄ وبأي لغة تتفاهمين مع زوجتي ابنيك؟ أتكلم معهما إنجليزى.. أُمال انت فاكرة زوجة الشيخ لازم تكون شيخة ولا تعرفش حاجة أبدًا؟! والحقيقة أن حرم الشيخ مصطفى إسماعيل فاجأتنى بشخصية مختلفة عما كان فى تصوري، فهى تضع الماكياچ بذوق وفن، وكذلك تهتم بملابسها جدًا، فالمرة الأولى التى رأيتها فيها كانت ترتدى ثوبًا من اللاميه الأسود مُحلى بالخرز الأسود فى وقار وحشمة، وفى المرة الثانية كانت ترتدى تايير من البوكليت البُنى المحروق مُحلى بشريط ساتان من نفس اللون مع عقد ذهبى وبيچ وبنى وحذاء شامواه بنى فاتح.. إنها أنيقة وتهتم بملابسها لأقصى حد.. وقفز إلى ذهنى هذا السؤال: ◄ هل يتدخل الشيخ في ملابسك؟ زمان كان الشيخ يأتى معى لشراء ملابسى، وكان جسمى نحيفًا، وكنت أرتدى ملابس جاهزة كلها، أما الآن فجسمى سَمن بعض الشيء وعندى خيّاطة يونانية تأتى فى البيت وأنا أختار لها الموديلات ويفاجأ الشيخ بملابسى.. وحينما أخرج معه أغطى رأسى، أما حينما أخرج وحدى وهذا نادر فلا أغطى شعرى. ◄ هل تسمحين لبناتكِ بارتداء البنطلون؟ - ولِمَ لا.. بناتى يرتدين أحدث الأزياء والبنطلون يرتدينه فى البيت فقط. ◄ هل أثرت مهنة زوجك على ملابسك أنتِ وبناتك؟ طبعًا بعض الشيء خصوصا فى الخروج، أما فى البيت فنحن نرتدى أحدث الموضات، والبنت عندى إذا تزوجت فزوجها حر فى طريقة ملابسها، ولو أن أزواج بناتى يراعون مهنة والدهن، وعمومًا الست الحشمة ممكن تكون أنيقة جدًا.. أم كلثوم مثلًا فى منتهى الحشمة ومنتهى الأناقة فى نفس الوقت. ◄ بمناسبة أم كلثوم، سمعت أن الشيخ مصطفى كان يقرأ آيات القرآن فى لبنان فى جلسة خاصة مع محمد عبدالوهاب، واستعاد عبدالوهاب الآيات مرارًا، ثم ظهرت بعد ذلك أغنية «إنت عمرى» وأبياتها الأولى صورة طبق الأصل من نغمات الآيات التى قرأها الشيخ.. فما صحة هذه الحكاية؟ - قالت: والله يُسأل الشيخ فى الحكاية دى.. لأنه صديق عبدالوهاب، وأنا لا يصح أن أبدى رأيى.. وقال الشيخ بحرص شديد أكثر من حرص عبدالوهاب على فلوسه: جايز يكون ده حصل وأخذ عبدالوهاب نغمة، ولكن أنا ماعنديش فكرة، وقد قال عبدالوهاب مرة إنه ما دام القرآن موجودًا بقراءاته فلن تضيع الموسيقى العربية. ◄ وما رأي مولانا في عبدالوهاب القديم وعبدالوهاب الجديد بصفته صديقه وأنت من المعجبين به؟ ليس هناك مقارنة بين عبدالوهاب القديم وعبدالوهاب الجديد، فلكل طابعه وده فن وده فن أيضًا وكله فن عبدالوهاب.. وعبدالوهاب حينما يقول فإنه يقول بمزاج وقوالته محبوكة. ◄ سألتها: هل تذهبان معًا للسينما؟ - قالت: لا.. نحن لا نذهب للسينما أبدًا. وقال الشيخ: آخر فيلم شاهدته كان اسمه «الوردة البيضاء». ◄ كل زوج يهدي زوجته بعض الهدايا.. ما هي هدايا الشيخ لك؟ هداياه معظمها روائح وأقمشة بلاطى.. فأنا أخرج الآن بالبالطو. ◄ ما رأيك في مقرئي القرآن الآخرين؟ يطربنى الشيخ رفعت.. صوته جميل جدًا.. وأنا أعتقد أنه لولا حلاوة صوته لما بدت قراءته جميلة، إن صوته هو أقوى ما عنده. ◄ ما الآيات التى تطربين لها حينما يقرؤها زوجكِ؟ أنا أبكى وأتأثر عندما أسمع زوجى يتلو هذه الآيات: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به». (البقرة: 286) ◄ سألت الشيخ مصطفى: متى بدأت القراءة؟ كنت أتعلم مع أطفال قريتنا «ميت غزال» فى كُتَّاب الشيخ محمود حشيش، ولفتت نظرى قراءته للقرآن فكنت أقلده. ◄ ومتى قرأت لأول مرة؟ أحييت مأتم جدتى أم والدى، وكان عمرى 14 عامًا، ثم قرأت بعد ذلك فى قرى قريبة. ◄ وما أول أجر تقاضيته؟ خمسة عشر قرشًا فى ثلاث ليال فى بلدتنا. ◄ وأكبر أجر تقاضيته؟ 2000 جنيه.. عند افتتاح جامع فى لبنان، وقد قرأت ربع ساعة فقط. ◄ هل العمامة مهمة في قراءة القرآن؟ العمامة ليست مهمة، ولكن ارتداؤها ليس عيبًا أبدًا.. وأنا سافرت إلى ألمانيا وطلب منى بعض الناس أن أرتدى البدلة ولكننى رفضت. ◄ هل تغني يا مولانا؟! ضحكت زوجته وقالت: فى بعض الأحيان نكون سهرانين لنشاهد التلفزيون وإذا لم يعجبه المغنى صحح النغمات. ◄ سألتها: ما رأيك في تلحين القرآن؟ في رأيي ألا يُلحن القرآن، فقراءاته تكفيه طربًا، وحرام أن تصاحبه موسيقى. وقال الشيخ: القرآن ملحنٌ جاهز.. ولكن بلا موسيقى. ◄ التقى عبدالوهاب وأم كلثوم في ثلاثة ألحان.. ماذا يعجبك منها؟ - «إنت عمرى» لا قبلها ولا بعدها، وكأن أم كلثوم حوشت طرب العمر كله فيها. وقالت زوجته: إنه يحب »إنت عمرى» جدًا، ويحب الست أم كلثوم، فهى قمة الطرب عنده، هى والأستاذ عبدالوهاب، إنهما أعز أصدقائه أيضًا. ◄ سألت زوجته: ومن تحبين أنت من المطربين والمطربات؟ - قالت: أحب أم كلثوم أولًا.. وعاشرًا فايزة أحمد، وأحب أحيانًا أن أسمع شريفة فاضل، بحيث لا أرى صورتها فحركاتها كثيرة زيادة عن اللزوم. ◄ وكيف تقضيان وقت الفراغ؟ - أوقات فراغنا قليلة جدًا، ونقضيها فى الاستماع إلى تسجيلاته أو فى لعب الطاولة مع أولادنا. ◄ وماذا يحب أن يأكل؟ - يحب الملوخية الخضراء بالأرانب، واللحمة والمهلبية، وجميع الحلويات. («آخرساعة» 20 أبريل 1966)