في مشهدٍ إنساني يتكرر بأشكال مختلفة لكنه يحمل المعنى ذاته، تواصل قصص العطاء الإنساني إلهام القلوب داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، خلال عظة قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الأسبوعية، حيث تم تسليط الضوء على نماذج فريدة من التبرع بزراعة الكبد، كان من بينها قصة الشاب أمجد وجيه، التي تجسد معنى المحبة الحقيقية داخل الأسرة. رحلة مرض بدأت مبكرًا أمجد، 36 عامًا، من محافظة المنيا، لم تكن رحلته مع المرض سهلة أو قصيرة. بدأت معاناته منذ عام 2011، حين كان في الثانية والعشرين من عمره، بسبب مشكلة فى الطحال، تطورت لاحقًا لتستلزم تدخلًا جراحيًا في الوريد البابى عام 2015. ومع مرور الوقت، ازدادت حالته تعقيدًا، خاصة بعد وفاة والديه، ليدخل في مرحلة أكثر صعوبة، حيث ظهرت بؤر سرطانية في الكبد، استدعت الخضوع لجلسات علاجية شاقة من الحقن والكي.
البحث عن متبرع.. والأمل يتراجع وسط هذه الظروف، أصبح الحل الوحيد هو زراعة كبد، لكن التحدي الأكبر كان في إيجاد متبرع مناسب، وبحث أمجد بين أشقائه الثلاثة، لكن فصائل الدم لم تكن متطابقة، ليبدأ الأمل في التراجع تدريجيًا. وفي محاولة أخيرة، خضعت زوجات إخوته للفحوصات، ضمن سياسة المركز الطبي التي توسع دائرة البحث عن متبرعين، حتى من خارج الأقارب من الدرجة الأولى. وهنا ظهرت نيفين، زوجة شقيقته وابنة خالته في الوقت ذاته، لتكتب فصلًا جديدًا من القصة. جاءت نتيجة التحاليل حاسمة: فصيلة دمها (A موجب) متوافقة مع أمجد. لم تتردد، وكان قرارها نابعًا من المحبة التي تجمع أفراد الأسرة، كما يقول أمجد: "إحنا في البيت بينا محبة كبيرة.. والتبرع كان بدافع الحب".
العملية.. وبداية حياة جديدة تمت عملية زراعة الكبد بنجاح، لتتحول رحلة الألم الطويلة إلى بداية جديدة. خرج أمجد من التجربة أقوى، وعاد تدريجيًا إلى حياته الطبيعية، حاملًا في داخله امتنانًا لا يُوصف، أما نيفين، فقد عادت هي الأخرى إلى حياتها بشكل طبيعي، لتؤكد أن التبرع لم يكن نهاية لشيء، بل بداية لإنقاذ حياة. وتعتبر هذه القصة، التي جاءت ضمن النماذج التي كرمها البابا تواضروس، لم تكن مجرد حالة طبية ناجحة، بل رسالة إنسانية عميقة تؤكد أن الروابط الحقيقية لا تُقاس بدرجة القرابة فقط، بل بقدرة الإنسان على العطاء.
ففي لحظة احتياج، لم تتوقف نيفين عند كونها "زوجة أخ"، بل تحولت إلى طوق نجاة، أعاد الحياة لشاب كان يواجه المرض بكل قسوته.
المحبة.. أقوى من المرض في النهاية، تظل هذه القصص شاهدًا حيًا على أن المحبة قادرة على صنع ما يبدو مستحيلًا، أمجد لم ينجُ فقط بفضل الطب، بل بفضل قلب قرر أن يعطي دون حساب، وذلك في زمنٍ يحتاج إلى مزيد من الرحمة، تبقى مثل هذه المواقف نورًا يذكّر بأن الإنسانية لا تزال بخير.