في لحظةٍ إنسانية خالصة، تذوب فيها الفوارق بين المسميات، وتعلو قيمة المحبة فوق كل اعتبار، برزت قصة استثنائية داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، خلال عظة قداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، حيث تم تكريم عدد من المتبرعين بزراعة الكبد، لكن واحدة من هذه القصص خطفت القلوب قبل العيون. "دى أمى".. جملة اختصرت كل شىء ببساطة شديدة، ودون تردد، قالت سميرة مجدى عن حماتها: "دى أمى مش حماتى".. جملة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت قرارًا غيّر مصير إنسانة بالكامل. مدام تريز، التى عانت لسنوات من تليف الكبد، كانت في حاجة ماسة لعملية زراعة كبد، لكن الصدمة كانت في عدم توافق فصائل الدم بينها وبين أبنائها. بدا الطريق مغلقًا، وكأن الحل بعيد المنال، لكن في قلب الأزمة، ظهرت سميرة، زوجة الابن، التي تعيش معها في نفس المنزل، تربطهما علاقة تتجاوز حدود التقليد، لتصل إلى عمق الأمومة الحقيقية.
سيدة تتبرع بفص كبدها لحماتها
قرار صعب.. لكنه نابع من الحب لم تتردد سميرة كثيرًا، خضعت للفحوصات، لتأتى النتيجة مفاجأة مفرحة: فصيلة الدم مناسبة، وهنا لم يعد القرار مجرد احتمال، بل أصبح واجبًا إنسانيًا كما رأته هى وتقول: "مستحيل أتأخر عنها.. دي أمى"، مضيفة بابتسامة تحمل كل المعاني: "بمناسبة عيد الأم، مفيش فرق بين أم وحماة.. كلنا أمهات". وبدأت الرحلة الصعبة، من التحاليل إلى الاستعداد للجراحة، حتى تمت العملية في معهد الكبد، ونجحت، لتعود الحياة من جديد إلى مدام تريز، وتعود معها الابتسامة لكل أفراد الأسرة.
5 سنوات من الحياة الجديدة مرت السنوات، قرابة خمس سنوات منذ العملية، وما زالت الحياة مستقرة، والامتنان حاضر في كل كلمة. وتحكي مدام تريز عن معاناتها مع المرض، والتنقل بين العلاجات دون جدوى، حتى أصبحت زراعة الكبد هي الأمل الوحيد. وعندما أغلقت الأبواب من أقرب الناس، فتحت السماء بابًا من حيث لا تتوقع. تقول: "سميرة كانت السبب بعد ربنا في إنقاذي"، كلمات تختصر رحلة طويلة من الألم إلى الشفاء.
تكريم مستحق ورسالة أوسع وجاء تكريم قداسة البابا تواضروس لهذه النماذج ليُسلط الضوء على قيمة العطاء الحقيقي، حيث لا يكون التبرع مجرد إجراء طبي، بل فعل محبة يُعيد تعريف العلاقات الإنسانية.
فالقصة لم تعد مجرد حالة طبية ناجحة، بل تحولت إلى رسالة مجتمعية تؤكد أن الرحمة لا تعرف مسميات، وأن الأسرة ليست فقط روابط دم، بل مواقف تُثبت من هو الأقرب حقًا.