لم تعد الحروب تُخاض كما عرفها التاريخ، ولم يعد يُرتكب القتل فى وضح المعارك، بل أصبح يُدار فى الظل، بدم بارد، وبأدوات أكثر خسة لم تعد الجيوش وحدها من تقرر مصائر الشعوب، بل أجهزة استخبارات وغرف عمليات سرية، حيث تتحول الحرب من مواجهة مباشرة إلى منظومة اغتيالات ممنهجة، ومؤامرات إرهابية دنيئة، واستهدافات تخترق إلى قلب الحياة المدنية. هنا لا نتحدث عن صراع جيوش، بل عن نمط مختلف من العنف السياسى، وعقيدة «الاغتيال» التى تسوّق كإنجاز أمنى وضرورة سياسية. عالمٌ تُستخدم فيه التكنولوجيا كأداة تعقب، وتتحول فيه أجهزة الاتصال إلى أدوات قتل، وتُصفّى القيادات غدرًا، وتُستباح السيادة الوطنية عبر شبكات من العملاء والجواسيس، وتُدار الصراعات بعقلية العصابات لا بمنطق الدول. إنها حروب بلا ميدان، بلا شرف، وبلا قواعد. فى هذا العالم، لا يصبح السؤال: مَن انتصر؟ بل: مَن نجا من قائمة الاغتيال القادمة؟ يبرز هنا نموذج الدولة الصهيونية التى تتبنى الاغتيال كعقيدة أساسية، فتنفذ عمليات اختطاف عابرة للحدود، وتضرب البنية التحتية المدنية من مدارس ومستشفيات، فى انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية. هذا النمط لا يعكس سلوك كيان يسعى لتحقيق أمنه، بل يكشف عن ذهنية «عصابة منظمة» تُدير الصراع بعقلية الهاجاناه الصهيونية، والأسوأ أن يجد هذا النموذج غطاءً سياسيًا ودعمًا من قوى كبرى، فتختلط مفاهيم الشرعية، ويصبح القانون الدولى مجرد نصوص بلا أنياب. المفارقة الصادمة تكمن فى أن نجد كاتبًا مصريًا ينزع الشرعية عن أى فعل مقاوم، ويبرر تجريد الشعوب من حقها فى المقاومة، ويتبنى خطابًا يفرغ الصراع من سياقه، ويضع الضحية فى موضع الاتهام، تحت لافتة «الواقعية السياسية»، على جانب آخر تظهر أصوات غربية مثل تاكر كارلسون، تدين إسرائيل وتعتبرها كيانًا تدميريًا، ارتبط حضوره بالعنف والاغتيال من بيروت إلى دمشق وصولًا إلى طهران. أخطر ما فى هذا المشهد محاولات تبريره. فلم تعد الكارثة فى ارتكاب الجرائم باسم الحروب فحسب، بل فى إعادة صياغتها كفضيلة، وتحويل الاغتيالات إلى أداة سياسية مشروعة، واستهداف منشآت الطاقة إلى استراتيجية، فحين تُدار الدول بعقلية العصابات، ويُعاد تعريف الجريمة باعتبارها «حقًا فى الدفاع» وتُمنح الشرعية لمَن يمتلك القدرة على التصفية لا لمَن يمتلك الحق، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسية أو انحراف عابر، بل أمام عالم ينزلق نحو تطبيع القبح، وسقوط أخلاقى كامل للنظام الدولى.