وسط تصاعد الصراع فى السودان، يعيش ملايين المدنيين أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، تعكس ثمن الحرب الباهظ من سقوط ضحايا، ونزوح واسع، وعنف جسدى ونفسي، إضافة إلى انعدام الأمن والخدمات الأساسية.. ومع استمرار النزاع والانتهاكات والجرائم التى ترتكبها الدعم السريع ضد المدنيين الأبرياء، تتفاقم الاحتياجات الإنسانية بشكل يومي، فيما تواجه المنظمات الدولية، بما فيها الأممالمتحدة، تحديات هائلة فى إيصال المساعدات إلى المتضررين بسبب محدودية التمويل وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، فضلًا عن المخاطر الأمنية التى تهدد حياة العاملين الإغاثيين. فيما أطلقت الأممالمتحدة خطة استجابة إنسانية طارئة لعام 2026 بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، بهدف إنقاذ ملايين المحتاجين، فى وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من تفاقم الانتهاكات وتضاعف أعداد القتلى المدنيين، ويقدر مكتب الأممالمتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (أوتشا) أن أكثر من 33.7 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة، بينهم نحو 20.4 مليون شخص يحتاجون لمساعدات حيوية منقذة للحياة، ما يجعل السودان البلد الأكثر احتياجًا على مستوى العالم، «الأخبار» أجرت حوار مع السيدة/ دينيس براون، منسقة الأممالمتحدة للشئون الإنسانية فى السودان، نتعرف من خلاله على الواقع الإنسانى الراهن فى السودان، وجهود الأممالمتحدة ومنظماتها ووكلاتها الإنسانية هناك.. وإلى الحوار.. كيف تقيمين الوضع الإنسانى الاَن فى السودان؟ للحرب ثمن باهظ، وفى السودان يتجلى هذ الثمن فى صور متعددة من المعاناة؛ من سقوط الضحايا، إلى موجات النزوح الواسعة، مرورًا بحالات الاختطاف والعنف الجنسى والفقدان، ومع استمرار النزاع، تتعمق الأزمة الإنسانية يومًا بعد يوم، وتتسع دائرة المتضررين، ما يضع ملايين المدنيين أمام أوضاع معيشية وأمنية شديدة الهشاشة.. إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد تداعيات حرب، بل أزمة إنسانية مركبة تتطلب تحركًا عاجلًا واستجابة فاعلة للحد من تفاقم معاناة السكان وحماية الفئات الأكثر ضعفًا.. بعض المنظمات الدولية، بما فيها برنامج الأغذية العالمي، قد خفضت حصصها الغذائية وإمداداتها بسبب تقليص التمويل، فإلى أى مدى يؤثر ذلك على تقديم المساعدات الإنسانية للسودانيين المتضررين؟ لا يمكننا توزيع ما لا نملكه، فى عام 2025، بلغ تمويلنا 39% فقط، وهو ما يمثل عجزًا كبيرًا، ليس فقط فى الغذاء، بل فى مواد أساسية أخرى بما فى ذلك مواد الإيواء والاحتياجات الضرورية للحماية والدعم، ولا شك أن هذا النقص يؤثر بشكل مباشر على نطاق وجودة الاستجابة، حيث يحدّ من قدرتنا على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمتضررين وضمان استمرارية الدعم لهم بالقدر المطلوب. هل لديكم أحدث الأرقام والإحصاءات المتعلقة بعدد المتضررين والنازحين من مناطق النزاع؟ بالتأكيد، فالسودان يواجه أكبر أزمة نزوح فى العالم، ويُقدر عدد النازحين داخليًا بنحو 9.1 مليون شخص، بمن فيهم أولئك الذين فروا من العنف فى ولايتى كردفان ودارفور، نزح ما يقرب من 4.5 مليون شخص آخر إلى دول مجاورة تعانى أصلاً من تحديات اجتماعية واقتصادية وإنسانية معقدة، فى فبراير من العام 2025، انخفض عدد النازحين داخلياً، حيث عاد حوالى 3 ملايين شخص إلى مناطقهم الأصلية، ومع ذلك، لا تزال عمليات العودة هشة، وغالباً ما تحدث فى مناطق ذات بنية تحتية متضررة، وخدمات محدودة، وانعدام أمن مستمر. ماذا عن التنسيق والتعاون بين منظمات الأممالمتحدة الإنسانية، والحكومة السودانية فيما يتعلق بتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين؟ يُعد التنسيق بين منظمات الأممالمتحدة الإنسانية والحكومة السودانية أمراً بالغ الأهمية لضمان إيصال المساعدات العاجلة بكفاءة وعدالة، لا سيما فى مناطق النزاع التى تشهد أوضاعاً إنسانية معقدة، فعلى سبيل المثال تستضيف منطقة الطويلة ما يقارب من 800 ألف نازح، الأمر الذى يتطلب استجابة منظمة ومتكاملة. وتبرز الحاجة إلى وضع خطة تنسيقية واضحة تُحدد الأدوار والمسئوليات بين مختلف الجهات الفاعلة، بما يضمن تجنب الازدواجية فى تقديم الخدمات أو حدوث فجوات فى الاستجابة، ولا شك أن غياب التنسيق الفعّال قد يؤدى إلى حصول بعض المتضررين على المساعدات أكثر من مرة، فى حين يُحرم آخرون منها، وعليه فإن اعتماد آليات تنسيق مشتركة وتبادل منتظم للمعلومات يُعدّ ضرورة أساسية لضمان توزيع عادل وفعّال للمساعدات الإنسانية. ما هى أبرز التحديات والعقبات التى تواجهونها فى السودان؟ تُشكل محدودية الموارد تحديًا رئيسيًا يؤثر بشكل مباشر على قدرتنا على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة، إلا أن التحدى لا يقتصر على الجانب المالى أو اللوجستى فحسب، بل يمتد ليشمل صعوبة الوصول إلى مناطق النزاع بسبب استمرار العمليات العسكرية.. كما انه فى ظل الحرب الدائرة، يواجه العاملون فى المجال الإنسانى مخاطر جسيمة أثناء تنفيذ مهامهم، وقد تعرضت قوافلنا الإنسانية لغارات جوية باستخدام طائرات مسيرة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 120 من زملائنا، ويعكس ذلك حجم المخاطر المرتبطة بهذا العمل، ويؤكد أن تقديم المساعدات فى مثل هذه البيئات يُعد مهمة بالغة الخطورة، تتطلب تدابير أمنية مشددة وتنسيقًا عالى المستوى لضمان حماية العاملين واستمرار إيصال المساعدات إلى المحتاجين. وكيف تتصدى الأممالمتحدة ووكالاتها الإنسانية لهذه التحديات والعقبات لضمان إيصال المساعدات إلى المتضررين والنازحين هناك؟ الأممالمتحدة تعمل على حشد التمويل اللازم من خلال نقل صورة واقعية وشاملة عن تأثيرات الحرب، وذلك عبر توثيق وسرد شهادات وقصص المتضررين أنفسهم من السودانيين الذين عايشوا هذه الظروف القاسية، إن إيصال أصواتهم وتجاربهم الإنسانية بشكل مباشر يسهم فى توضيح حجم الاحتياجات وتعزيز استجابة المجتمع الدولى والداعمين. وبالتوازى مع ذلك، نواصل التفاوض والتنسيق مع مختلف الجهات الفاعلة على الأرض بهدف تسهيل الوصول الإنسانى وضمان انسياب المساعدات إلى المناطق المتأثرة، ومن خلال هذه الجهود، نؤكد التزامنا بالوصول إلى جميع المتضررين دون استثناء، بما فى ذلك السكان فى مدن مثل الفاشر وكادوقلي، والعمل على تلبية احتياجاتهم بأقصى قدر ممكن من الفاعلية والحياد. كيف تتعاملون مع القرى التى نجح الجيش السودانى مؤخرًا فى فك الحصار عنها؟ فيما يتعلق بالقرى التى تم مؤخرًا فك الحصار عنها، فيتم التحرك سريعًا لإجراء تقييمات عاجلة للاحتياجات، يليها إرسال قوافل إغاثية تتضمن المواد الأساسية، إلى جانب دعم المنظمات المحلية لتعزيز قدرتها على الاستجابة الفورية. بعد زياراتكم الميدانية إلى مناطق النزاع ولقاءاتكم مع المجتمعات المتضررة، كيف تصفون الواقع الإنسانى هناك؟ للأسف الشديد لمسنا حجم التحديات اليومية التى يواجهها السكان فى ظل أوضاع إنسانية معقدة وهشة، ورغم اختلاف السياقات من منطقة إلى أخرى، تبقى الاحتياجات الأساسية الأكثر إلحاحًا ثابتة وهى توفير المياه النظيفة، والمأوى الآمن، والغذاء الكافي، إلى جانب خدمات الرعاية الصحية الأساسية. كيف يتعامل عمال الإغاثة وقوافل الإغاثة فى ظل هذه الظروف الصعبة؟ العاملون فى المجال الإنسانى فى السودان يعملون فى بيئة بالغة التعقيد وفى ظل مخاطر أمنية كبيرة، ورغم هذه التحديات، فإنهم ملتزمون بتقديم المساعدات المنقذة للحياة.. حيث نجرى مفاوضات وتنسيقًا مستمرًا مع جميع الأطراف المعنية لضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة وأمان ودون عوائق وبشكل مستدام، ويشمل ذلك تسهيل العمليات عبر الحدود من الدول المجاورة. فى ضوء التطورات الأخيرة والحديث عن هدنة إنسانية وشيكة فى السودان، ما هو رأيكم فى هذه التطورات؟ ترحب الأممالمتحدة بأى مبادرة وجميع الجهود التى من شأنها أن تسهم وتمهيد الطريق نحو وقف الحرب ووضع حد لمعاناة المدنيين فى السودان، قد دعا أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، بوضوح إلى وقف فورى للأعمال العدائية، مؤكدًا أن حماية المدنيين يجب أن تظل أولوية مطلقة.. كما تُجدد الأممالمتحدة مطالبتها بضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وسريع ودون عوائق، وبصورة مستدامة، إلى جميع المحتاجين، إضافة إلى تأمين ممرات آمنة تتيح للمدنيين الراغبين فى مغادرة مناطق النزاع القيام بذلك دون مخاطر. ما الرسائل التى تودون توجيهها إلى المجتمع الدولى بشأن الوضع الإنسانى فى السودان؟ تواجه الجهود الإنسانية فى السودان تحديات كبيرة تتطلب دعمًا عاجلًا وفاعلًا من المجتمع الدولي، فبحلول عام 2026، يحتاج أكثر من 20 مليون شخص من الفئات الأكثر ضعفًا إلى مساعدات عاجلة، فيما تقدر خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية ب2.9 مليار دولار، ولم يتم تلقى سوى 5.8٪ فقط من التمويل المطلوب.