العاشر من رمضان ليس تاريخًا يمر فى دفاتر الأيام، بل لحظة استثنائية تعانقت فيها قداسة الزمن مع صلابة الإرادة الوطنية. فى نهار الصوم، حين تسمو الأرواح وتصفو القلوب وتشتد الصلة بالسماء، لم يكن صمت أبطالنا وجنودنا البواسل روحانيًا فحسب، بل كان استعدادًا عميقًا للثأر وتطهير الأرض من الدنس الصهيونى فى معركة الكرامة. فى خنادق الصبر، جنود صاموا ست سنوات يحلمون بالإفطار على مائدة النصر، وعلى رمل سيناء المتعطش للتحرير. وفى العاشر من رمضان، تحولت كل معانى الصبر التى يتعلمها الصائم إلى بطولات وتضحيات خارقة، وتحول الامتناع عن الشهوات إلى قدرة على اقتحام المستحيل. بفرحة الصائم حين يفطر، ويقين المؤمن المقاتل الواثق فى نصر الله، عبر الجنود القناة وحطموا خط بارليف وأزاحوا الساتر الترابى وزلزلوا الأرض تحت أقدام العدو، فكتبوا بعرقهم ودمائهم صفحة جديدة فى كتاب الكرامة، وأكدوا أن الإيمان حين يقترن بالعرق والتضحية والحسابات الدقيقة يصنع أمجادًا لا تُنسى. وهكذا توحدت العبادة بالبطولة، وامتزج الخشوع بالشجاعة، فكان النصر المبين الذى أذهل العالم. نصر العاشر من رمضان لم يكن مجرد حسابات عسكرية دقيقة وخداع استراتيجى محكم، بل كان أيضًا قراءة عميقة لروح الأمة وإيمانها بالله وبالنصر. فالصائم الذى يروض جوعه وعطشه، يروض خوفه وتردده، ويصير أكثر استعدادًا لتحمل المشاق. فى العاشر من رمضان، جمع أبطال مصر بين جهادين، جهاد النفس وجهاد تحرير الأرض. على الضفة الشرقية للقناة، لم يكن أبطال قواتنا المسلحة يحملون السلاح وحده، بل كانوا يحملون يقينًا بالنصر تشكل فى محراب الصيام. لقد أراد الله بهذا التوقيت أن يعلمنا درسًا لا يُنسى، وهو أن رمضان ليس شهر الكسل والخمول، بل شهر العطاء والانتصار، وأن الصيام ليس مجرد امتناع عن طعام وشراب، بل هو مدرسة إيمانية وإعداد روحى وجسدى لأكبر التحديات، خاصة أن فى أيام رمضان منحًا ربانية وأسرارًا إلهية، وأن الدعاء فيه مستجاب، وأن أبواب السماء فيه مفتوحة. إن التوافق البديع بين نصر أكتوبر وشهر رمضان يحمل رسالة عميقة لأمتنا العربية فى ظل التحديات الوجودية التى تواجهنا حاليًا، وهى أن قوة الإيمان هى السلاح الأقوى، وأن التوقيت الإلهى له حكمته البالغة، وأن الأمة التى تتصل بسمائها لا يمكن أن تُضام أو تُهزم على أرضها.