لا يأتى مسلسل «قسمة العدل» بوصفه عملًا ترفيهيًا عابرًا، بل كدراما اجتماعية تقترب بجرأة من واحدة من أكثر القضايا حساسية فى المجتمعات العربية، وهى العدل داخل العائلة، منذ حلقاته الأولى، يعلن العمل انحيازه للتشريح لا الحكي، وللسؤال لا الحل، محولًا صراع الميراث من نزاع قانونى إلى امتحان أخلاقى وإنسانى قاسٍ. المسلسل، المعروض على شاشة ON ومنصتى يانغو بلاى وWatch It، ينجح فى فرض نفسه كعمل ثقيل النبرة، لكنه فى الوقت نفسه يقع أحيانًا فى تناقض واضح بين جرأة الفكرة وتحفظ التنفيذ. يطرح المسلسل فكرة محورية مفادها أن المال ليس الهدف الحقيقى للصراع، بل الأداة التى تكشف هشاشة العلاقات، وتفضح التناقضات الكامنة تحت سطح القرابة، هنا لا يصبح العدل حكمًا قضائيًا بقدر ما يتحول إلى مرآة قاسية للنفوس، تختبر قدرتها على الصمود أمام الطمع والخوف والأنانية، هذه الرؤية تمنح العمل ثقله الحقيقي، وتضعه فى خانة الدراما التى تحاول مساءلة المجتمع لا استرضاءه. يُحسب للسيناريست أمين جمال وعيه بتجنب التقسيمات السهلة؛ فلا أبطال مطلقين ولا أشرار نمطيين، الشخصيات تتحرك داخل مساحات رمادية، تتبدل مواقفها بتبدل المصالح، وهو ما يمنح النص صدقًا واضحًا. إخراج أحمد خالد يتسم بالحرفية والانضباط، مع اعتماد واضح على الأداء التمثيلى أكثر من المغامرة البصرية، الصورة نظيفة، والكادرات محسوبة، لكن الرؤية الإخراجية تظل حذرة، تكتفى بعكس التوتر الداخلى دون أن تضيف طبقة دلالية أعمق، وكأن العمل يقترب من الحافة ثم يتراجع. على مستوى الأداء، تقدم إيمان العاصى فى شخصية «مريم» واحدًا من أهم أدوارها على الإطلاق، أداء قائم على الكتمان وضبط الانفعال، وعلى النظرة المترددة بدل الصراخ، ما يمنح الشخصية عمقًا ومصداقية، ويكشف عن تطور واضح فى اختياراتها الفنية، ولم تعد تراهن على الحضور الشكلي، بل على العمق، فى المقابل، يقدّم خالد كمال، شخصية «كرم» بوصفها نموذجًا واقعيًا مزعجًا فى أنانيته وغدره، لا كشرير مطلق، ما يمنح الصراع مصداقية مؤلمة، كما يعتمد المسلسل على أداء جماعى متماسك، يبرز فيه محمد جمعة، رشدى الشامي، دنيا ماهر، إيناس كامل، عابد عنانى وخالد أنور، دون تفاوت حاد فى المستوى، هذا التوازن يخدم الفكرة الأساسية، لكنه فى بعض اللحظات يفتقد إلى ذروة تمثيلية كاسحة كان يمكن أن ترفع السقف الدرامي.. فى المحصلة، «قسمة العدل» عمل ذكى فى فكرته وصادق فى نواياه، لكنه أقل شراسة مما يحتمله موضوعه، ومع ذلك، يظل من الأعمال القليلة التى تذكرنا بأن أخطر الصراعات لا تدور فى ساحات المحاكم، بل خلف أبواب البيوت المغلقة.