استند العلماء وأئمة أهل السنة إلى نصوص قرآنية قطعية، تبرز نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدين أن تناولها لا يقف عند حدود البحث التاريخي، بل يتصل بأصل أدبي وأخلاقي يوجب صون الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وسلم عن كل ما يؤذيه، وتنزيه أصوله الطاهرة عن شوائب الشرك والجفاء. زمن الفترة وحسب بحث نشرته منصة وزارة الأوقاف الرقمية، فقد أكد العلماء أن الأبوين الشريفين وقعا في زمن الفترة بين الرسل، وهو ما استندوا فيه إلى أدلة قرآنية، مع التأكيد على ضرورة التعامل مع النصوص وفق أصول الاستدلال المعتبرة. وفي هذا الإطار يُذكر ما ورد في الحديث الشريف حين سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم: «أَينَ أَبِي؟» فأجابه: إن أباك في النار، ثم ولّى الرجل والحزن باد عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «رُدُّوه عَلَيَّ»، فلما رجع قال له: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». ويُفهم هذا النص في ضوء القواعد التي تحكم فهم الأدلة وجمعها، دون الاكتفاء بظاهر محتمل أو إغفال سياقاته. من أدلة العلماء ومن الأدلة التي استند إليها العلماء في بيان أن آزر ليس والد سيدنا إبراهيم عليه السلام، قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَ0لَّذِينَ ءَامَنُوۤا۟ أَن يَسۡتَغۡفِرُوا۟ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوۤا۟ أُو۟لِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ 0لۡجَحِيمِ * وَمَا كَانَ 0سۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةࣲ وَعَدَهَاۤ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥۤ أَنَّهُۥ عَدُوࣱّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ﴾ [التوبة: 113-114]. وتدل الآية على أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد استغفر لأبيه؛ أي عمه، إذ إن العم يُسمى أبًا في اللغة. وفي هذا السياق يقول الإمام الرازي: الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ تَارَحَ وَآزَرُ كَانَ عَمًّا لَهُ، وَالْعَمُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَبِ، كَمَا حَكَى اللَّه تَعَالَى عَنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ - عليه السلام - أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿قَالُوا۟ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 133] وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ، وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الأب فكذا هاهنا. [مفاتيح الغيب = التفسير الكبير لفخر الدين الرازي: 13/32 – ط دار إحياء التراث العربي]. استغفار إبراهيم لأبويه كما جاء في القرآن أن سيدنا إبراهيم عليه السلام استغفر لوالديه في أواخر أيامه، بعد أن بلغ سن الشيخوخة ورُزق بولدين هما سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق عليهما السلام، وذلك بعد وفاة عمه بمدة طويلة، قال تعالى: ﴿0لۡحَمۡدُ لِلَّهِ 0لَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى 0لۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ 0لدُّعَاۤءِ * رَبِّ 0جۡعَلۡنِي مُقِيمَ 0لصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَاۤءِ * رَبَّنَا 0غۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ 0لۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 40-41]. وقد عُلم مما سبق أن سيدنا إبراهيم عليه السلام ترك الدعاء لأبيه، أي عمه، بعد أن تبين له أنه عدو لله ومات على الكفر، وكان ذلك قبل أن يبلغ إبراهيم عليه السلام سن الشيخوخة بمدة طويلة، فكيف يعود للاستغفار له مرة أخرى في أواخر عمره؟ ومن هنا لا يستقيم أن يُجعل هذا الاستغفار في آخر أيام سيدنا إبراهيم عليه السلام من أجل تلك الموعدة التي وعدها إياه. وبذلك يتبين أن آزر ليس والد سيدنا إبراهيم عليه السلام بل عمه قطعا، وفق ما قرره العلماء واستندوا فيه إلى النصوص القرآنية وأقوال أهل التفسير. يتبع نشر باقي البحث في حلقات أخرى