أحمد عز العرب محيي الدين اللباد من أولياء الله المنذورين لإشاعة البهجة والنور، الذين آمنوا بأن «الله جميل يحب الجمال» انظر حولك ترى الخالق تتجلى قدرته في سائر المخلوقات؛ من صفاء قطرة الماء وبهاء جناح الفراشة، إلى كمال استدارة القمر وضياء الشمس ساعة شروقها وعباد الله الصالحين يبعثون الروح في علب الكبريت، وباكو الشاي والسكر، والثوب المطرز، والطاقية «الشبيكة»، ونقوش القروش النحاس، وأعواد الخيزران والحصير، وزخارف المراجيح والعربات الخشبية، وخيمة السيرك، وخطوط لافتات الدكاكين والشوارع، ورسوم جدران الحج، وأيقونات الكنائس. كل ما يحيط بالإنسان من صور وأشكال وخطوط تشكل المورد الأول لثقافته البصرية؛ فإن أدرك الجمال الكامن في محيطه، رقت حواسه وتعمقت بصيرته ورسخت قدماه في أرض أجداده، ويا لبؤس من لم يدرك قيمة ما لديه أو زاغت عيناه بعيداً، كأنه فقد هويته وبوصلته. هذه الحقيقة أدركها محيي الدين اللباد ببصيرته؛ هو الشغوف بكل جديد في الحياة، وفي الوقت ذاته شديد الحماس لكل ما يعزز هويته البصرية القومية والهوية القومية هي «البصمة الوراثية» التي تميز بين الشعوب؛ هي مزيج من الموروث الثقافي والحضاري والعيش المشترك عبر التاريخ. وفي عالم الفن التشكيلي، تتحول هذه الهوية من مفاهيم مجردة إلى أشكال وألوان وعناصر مجسمة ملموسة تلتقطها العيون وتختزنها الذاكرة. في هذا المضمار، سعى رواد البحث عن معالم الهوية البصرية للمصريين، بداية بسؤال حول ماهيتها أو معنى المصطلح والمتفق عليه أن الهوية البصرية للشعوب هي مجموع العناصر والسمات المرئية التي تميز شعباً أو أمة، تعكس تاريخها وثقافتها وذوقها الجمعي، كما تظهر في الرموز، والألوان، والعمارة، والفنون، وأنماط التعبير اليومية؛ هي لغة صامتة تخاطب العيون وتسبق الكلمات إلى الذاكرة. معالم الهوية البصرية المصرية تتضح أبرز معالم الهوية البصرية المصرية في عدد من الخطوط العامة: الثراء والتنوع: في العناصر نتيجة للتواصل الحضاري الطويل من مصر القديمة إلى العصر الحديث دون انقطاع. الرموز: النيل (الخط الأفقي الممتد بانسيابية تنتصب عليه أعواد النخيل وأجراس الكنائس وأبراج المآذن)، قرص الشمس (دائرة الزمن)، وعين حورس (الحارس من سهام الشر)، وأسماك النيل منذ حفظت أوزير من الفناء صارت رمزاً للخصوبة والتجدد. الألوان: الأزرق (من السماء والنيل) يبعث شعوراً بالسمو والصفاء، الأخضر (بشير الخير والرزق الوفير)، الذهبي (من توهج قرص الشمس رمزاً للقداسة منذ عهد آمون)، الأسود (الأرض)، والأحمر (القوة). العمارة: تتابع الطرز من رسوخ وجلال المعابد المصرية القديمة إلى بساطة القباب القبطية وزخارف المساجد والأسبلة، وصولاً إلى عفوية العمارة الشعبية بالطين. المزاج البصري العام: يميل إلى السردية الساخرة والرمز الجامع بين الماضي والحاضر. وقد ظهرت الحاجة للبحث عن معالم الهوية المصرية منذ مواجهة عرابي للخديوي توفيق الذي طرح السؤال: «من أنتم؟»، فكان واجباً علينا أن نبحث «من نحن؟». سؤال «الهوية» شغل المناضلين من أجل الاستقلال الوطني حتى تفجرت الثورة الوطنية الأولى 1919، ورافقتها مشاعر الاعتزاز بالانتماء للتاريخ والثقافة الوطنية بنهضة فكرية ثقافية شاملة، ساهم فيها رواد الفن التشكيلي الحديث مثل مختار، ومحمود سعيد، وراغب عياد، وتواصل السعي في أجيال تالية مثل إنجي أفلاطون، وعبد الهادي الجزار، وحامد عويس، وآدم حنين. وإلى هذه الساحة انجذب محيي الدين اللباد مبكراً، فجعلها شاغله الأول، ومنح قضية الهوية البصرية عمره كله (25 مارس 1940 - 4 سبتمبر 2010) في كل مجالات عمله؛ بثقافة الأطفال، وتصميم وإخراج الكتب، ورسوم الكاريكاتير. كانت رؤيته تتمحور حول ضرورة الكشف عن عناصر الهوية البصرية والتعريف بها، فذلك يمنح الشخص شعوراً بالثقة في النفس والاعتزاز بالانتماء الوطني، بينما الجهل بها يحرم الإنسان من موروثه الثقافي الحضاري ويفقده ثقته بنفسه، فيصيبه شعور بالنقص والتصاغر أمام الغرباء. من جانب آخر، لم يغب عن اللباد إشكالية الجمع بين ضرورة الاستجابة للمتغيرات لمواكبة تيارات التحديث، مع أهمية التمسك بالموروث الشعبي كانت هذه المفارقة حاضرة في كل تجاربه الفنية، وكان عليه كل مرة أن يتوصل إلى الصيغة الملائمة للتعامل معها بميزان حساس لا يغفل الحقيقة التاريخية؛ فكل عناصر التراث الثقافي والفني هي نتاج تفاعل إنساني مع واقع مادي وظروف ولى زمانها، لكنها ما زالت محافظة على قدرتها على إلهام الأجيال الجديدة وإثراء خبراتهم ومعارفهم، تشكل زاداً معرفياً يعينهم على التعامل بصورة إيجابية مع المتغيرات في أساليب الحياة العصرية ووسائل التعبير الحديثة. بهذه الرؤية، يضع الفنان نصوص وأشكال وصور الموروث الشعبي في إطار الجهد والإبداع الإنساني القابل للأخذ والعطاء، لا يمنحها قداسة وهمية تبقيها جامدة ساكنة بلا مساس كأنها مقتنيات متاحف محفوظة داخل «فاترينات» عرض زجاجية. من دسوق للقلعة كيف تشكلت هذه الرؤية الخاصة عند الفنان محيي الدين اللباد؟ سؤال عن المصادر التي شكلت وعي الفنان بالهوية البصرية وإدراكه للدور الاجتماعي للثقافة البصرية والإجابة تشمل ثلاثة روافد هي: مشاهداته وملاحظاته الشخصية عن البيئة و الوسط الاجتماعي لنشأته. دراسته الفنية وثقافته العامة. خبراته العملية وتجاربه الفنية. عين اللباد مسالمة، حنونة، تنجذب إلى التفاصيل الدقيقة وتحفظ منها ما قد يفوت على كثيرين وقد ارتوت في طفولته بمشاهدات متنوعة خلال إقامته بحي القلعة بقرب مساجد السلطان حسن والسيدة عائشة وميدان القلعة، الذي كان ساحة الاحتفال الرسمي بانطلاق موكب «المحمل» بكسوة الكعبة وشاهد مواكب أهل الطرق الصوفية في احتفالات موالد آل البيت. كان والده معلماً أزهرياً يرتدي العمامة والزي التقليدي، لكنه كان مستنيراً ملماً بتيارات الحداثة، ويسمح لزوجته أن تخرج حاسرة الرأس مرتدية ما يناسبها من الأزياء، وتخالط الناس باختلاف أصولهم ودياناتهم. وفي شارع القلعة (محمد علي)، تتركز ورش «الزنكوغراف» والحفر على المعادن التي تمد مطابع الكتب والجرائد وملصقات الدعاية للبضائع وأفلام السينما، فكانت مثيرة لخياله الطفل، وأعجبه صبر ودقة الحرفيين. تعلم عن أبيه الاستئناس بالكتب، فداوم منذ الصغر على قراءة كتب كامل الكيلاني ومجلات الأطفال، وكانت أبرز شخصياتها «طرزان» سيد الغابة، والملاح البحري «سندباد»؛ بحار مغامر يطوف بلاد الدنيا ويعود بحكايات من مشاهداته، وتظهر سيرته اتساع الكون وتنوع البشر والثقافات، تشحذ خيال القراء وتعزز لديهم قيم الإقدام والسعي والصبر والتسامح. بينما «طرزان» شخصية مُخلّقة ترمز إلى تفوق وهيمنة الجنس الأبيض، وترمي سيرته إلى القبول والرضوخ طوعاً له، ودارت ماكينات الدعاية الهائلة لتسويق فكرة الشخصيات الخارقة بأسماء وأشكال عديدة غمرت مجلات وكتب الأطفال ودور السينما في العالم. بصورة طبيعية، انحاز الطفل محيي الدين اللباد إلى السندباد، متأثراً برسوم أستاذه حسين بيكار وكتابات سعيد العريان في المجلة التي أصدرتها دار المعارف عام 1952، فكانت علامة فارقة في تاريخ أدب الطفل العربي. الدراسات الفنية والخبرة العملية نظرية «الفطرة» من أهم الدراسات التي ساهمت في تشكيل الوعي الجمالي عند اللباد؛ فقد تأثر باستخدام الفنان حبيب جورجي (1892–1965) للمنهج التجريبي في دراسته الميدانية لأطفال الفلاحين، التي توصل من خلالها إلى نظريته التي ترى أن الطفل يمتلك بصورة طبيعية مخزوناً حضارياً يظهر في إنتاجه الفني تلقائياً إذا ما وُجد الحافز المثير للإبداع دون تلقين ولا تقليد. فتحولت مادة الرسم في المدارس إلى وسيلة لتربية الصغار وتنمية قدراتهم على الابتكار والتخيل والتعبير الحر عن النفس، بدلاً من الأساليب القديمة القائمة على نسخ وتقليد رسوم الكبار. قبل حبيب جورجي، كان تعليم الرسم في المدارس المصرية قائماً على النسخ الحرفي والنقل عن نماذج جاهزة والتدريب الأكاديمي الجامد، وتأثر اللباد بنظرة حبيب جورجي إلى الفن باعتباره وسيلة لبناء الشخصية لا مجرد مهارة يدوية. كما تأثر بالدراسات التي تناولت الثقافة الشعبية وأثر البيئة في تشكيل الوجدان النفسي للطفل. أما الخبرة العملية، فكانت مجلة «كروان» الأسبوعية للطفل أول تجربة عملية عندما أصدرتها دار التحرير في يناير 1964، بفريق مكون من نعمان عاشور رئيساً للتحرير، ومحيي الدين اللباد مديراً للتحرير، ومصطفى رمزي للإخراج الفني. قدم اللباد أفكاراً وشخصيات مبتكرة مستعيناً بعدد من الشعراء والكتاب والرسامين، وتوقف إصدارها في أكتوبر من السنة نفسها رغم إقبال القراء عليها؛ إذ يبدو أن قيادة الاتحاد الاشتراكي فضلوا انشغال المؤسسة بقضايا أهم من «شغل الصغار». وبعد سنوات، قام اللباد بدور محوري في تأسيس «دار الفتى العربي»؛ كان عليه أن يصيغ الهوية البصرية المميزة لدار نشر متخصصة للأطفال بإصدارات متعددة من أشكال الكتب والملصقات وصحف الجدران. ويمثل محيي اللباد حالة خاصة في مجال التصميم والاخراج والفن البصري المصري، لا تنبع خصوصيته من موضوعاته بقدر ما تنبع من رؤيته وأسلوب معالجته. فهو لم يتعامل مع الهوية البصرية المصرية كخزان رموز جاهزة، بل كنسق بصري تاريخي قابل لإعادة القراءة والتأويل. لذا تتراجع الصرخة المباشرة لصالح التأمل، ويغدو الخط عنصراً معرفياً لا زخرفياً، مستمداً روحه من الخط العربي، والمخطوطات، والكتابة الشعبية. كما انه يعتمد على الاقتصاد الشديد في الشكل واللون، وعلى توظيف الفراغ بوصفه مساحة دلالية لا فراغاً ناقصاً، بما يذكّر بجدارية المعابد أو صمت الأيقونات القبطية. أما السخرية في رسومه فهي أقرب إلى الحكمة الشعبية المشفرة، منها إلى النكتة اللاذعة الصاخبة. هكذا تتحقق الهوية البصرية المصرية عند محيي الدين اللباد لا في تمثيل مصر موضوعياً، بل في تحويل الفعل البصري نفسه إلى ممارسة ثقافية مصرية الجذور وحديثة التعبير في آن واحد.