تبدى -على مدى عمره المديد وتجربته المرموقة العريقة- أكبر من كونه حدثا بارزا، وظل يشير -طوال رحلته الخصبة الثرية- إلى حقائق مطوية خفية، وظل يؤكد عبر نُسَخه المتتالية أنه ليس مجرد معرض فسيح للكتب، أو سوق كبرى للإصدارات، بل أفق شاسع يستشرف حقيقة الظواهر المحيرة، ويتبين ملامح المصائر المقبلة. ويكشف - كمؤشر دقيق - عن وجهة المعارف والعلوم، ذلك معرض القاهرة الدولى للكتاب.. أعرق معارض عالمنا العربى ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها، والذى تطل علينا دورته الجديدة لعام 2026، بعد غد، فلطالما بدا معرضنا كاشفا عن حقائق بددت حيرتنا، ومجيبا عن أسئلة أرقتنا، مثلما فعل فى السنوات القليلة الماضية، حين جذب إليه تلك الحشود الهائلة، والأعداد الباهرة من الرواد والزائرين، فى وقت تكرر فيه الحديث عن انقراض الكتب الورقية، وكثر خلاله الكلام عن تراجع أعداد القراء، واختفاء تلك العادة السامية التى شرفت بها الحضارات الإنسانية، فقد أكد معرض القاهرة الدولى للكتاب بمشاهد الزحام فى أجنحة دور النشر، وأرقام مبيعات الكتب الورقية فى شتى المجالات، أن الحديث عن اختفاء الكتاب الورقى قريبا ليس دقيقا، وأن توقع انقراض القراء عبر الطرق التقليدية بعد سنوات معدودة غير واقعى، كما أن الكلام حول انصراف أجيال الشباب والنشء عن الإصدارات المطبوعة بدا غير حقيقى، والواقع يكذبه، وهكذا بدا معرض الكتاب أفقا رحبا لكشف الحقائق، ونافذة واسعة لاستشراف المستقبل، وطاقة مضيئة تطل على المصائر، وكما عوَّدنا دائما منذ انطلق فى ستينيات القرن العشرين، نرجو أن تجىء دورته السابعة والخمسون مصدقة لحقيقة أن معرض القاهرة العريق للكتاب حدث حافل، وعلامة ساطعة فى جبين الثقافة العربية.