إن استمرار الانسداد السياسى سيقود حتمًا إلى خيارات اضطرارية للدفاع عن حق الحياة رغم انشغال الإدارة الأمريكية بملفات دولية ساخنة فى أوكرانيا وأمريكا الجنوبية وإيران وأوروبا فإن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قام الجمعة الماضية بدخول مفاجئ واستقطع وقتًا للحديث عن «تفاصيل فنية» لحل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا.. ترامب وجه رسالة رسمية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى أكد فيها أن حل التوترات المتعلقة بسد النهضة يأتى فى صدارة أولوياته، وتمنى ألا يؤدى الخلاف القائم إلى صراع عسكرى، وأعلن ترامب استعداده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحسم ملف تقاسم مياه نهر النيل وخفض التوتر المرتبط بسد النهضة، مشددًا على إدراك بلاده للأهمية الاستراتيجية لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها محذرًا أنه لا ينبغى لأى دولة أن تسيطر بشكل أحادى على الموارد المائية لنهر النيل بما يضر بجيرانها، معتبرًا أن مفاوضات عادلة وشفافة، ودورًا أمريكيًا قويًا فى التنسيق والمتابعة، يمكن أن يحقق اتفاقًا دائمًا يخدم مصالح مصر والسودان وإثيوبيا.. تلك المبادرة من ترامب وما سبقها قبل أيام من حظر أمريكى لجماعة الأخوان الإرهابية هى شهادة نجاح كبيرة للدبلوماسية المصرية وقيادتها الحكيمة... لقد استطاعت القاهرة إقناع صانع القرار فى واشنطن بأن المياه بالنسبة للمصريين ليست ملفًا للمساومة، بل هى مسألة حياة أو موت وأمن قومى لا هزار فيه، وأن استمرار الانسداد السياسى سيقود حتمًا إلى خيارات اضطرارية للدفاع عن حق الحياة. ترامب تحرك اليوم بحماس أكبر لكسر حلقة مفرغة من المفاوضات العقيمة التى استمرت لأكثر من 13 عامًا، واجهت خلالها مصر تعنتًا إثيوبيًا مستمرًا وسياسة فرض الأمر الواقع. طوال هذه السنوات، استهلكت أديس أبابا الوقت فى مناورات سياسية للهروب من التوقيع على اتفاق قانونى ملزم، بينما كانت تستكمل مراحل البناء والملء الأحادى، مما أوصل الأزمة إلى حافة الانفجار.. يستخدم ترامب فى وساطته الجديدة «منطق الصفقات» ليربح الجميع.. هذا التحرك الأمريكى مؤكد سيضع أديس أبابا والحكومة الإثيوبية أمام ضغط كبير.. صحيح أنها ليست المرة الأولى التى يتحدث فيها ترامب عن التعنت الإثيوبى وسد النهضة لكن مؤكد أن التكرار الأمريكى يعلم «الشطار» فى إثيوبيا وغيرهم أن الموقف الحالى لم يعد تفاوضيًا كما كان، بل يطالب بوضوح بإنهاء السيطرة الأحادية على نهر النيل بما يضر بالجيران.. الذى يجب أن تدركه أديس بابا و»شطارهم» أن الاهتمام الأمريكى بملف النيل ليس مجرد وساطة عابرة، بل أصبح ركيزة أساسية فى استراتيجية الأمن القومى الأمريكى لعام 2026، حيث تتبنى الإدارة الجديدة رؤية ترى فى «الأمن المائى» مفتاحًا لاستقرار الشرق الأوسط وحماية الممرات الملاحية الدولية فى البحر الأحمر. وتتضمن هذه الاستراتيجية تحولاً جذريًا يتمثل فى رفض «السيطرة الأحادية» على الأنهار الدولية، معتبرة أن أى مساس بحصة مصر المائية يمثل تهديدًا لمصالح واشنطن وحلفائها.. ولا نرى فى الموقف الأمريكى أى إجحاف أو افتراء على مصالح الإثيوبيين بل هو تصحيح لأوضاع خاطئة.. لقد شاهدنا الدعايات الضخمة التى صاحبت بناء سد النهضة وجمع التبرعات من قوت الشعب الإثيوبى تحت شعار «إنارة إثيوبيا»، إلا أن ما حققه «شطار إثيوبيا» على أرض الواقع يكشف الكارثة.. لم يجنِ المواطن الإثيوبى سوى الظلام، ولم تنجح أديس أبابا حتى الآن فى تشغيل سوى عدد محدود من التوربينات بكفاءة متدنية لا تغطى جزءًا يسيرًا من العجز القومى، ولم تنجح فى تصدير «كيلو واط» واحد من الكهرباء!!.. هذا الإخفاق الفنى والاقتصادى يثير تساؤلات مشروعة إذا لم يكن الهدف الحقيقى هو التنمية وتوليد الطاقة كما تبرهن الأرقام فهل كان الهدف الحقيقى هو الإضرار بمصر؟! .. وكيف تم السماح لجهات أخرى باستخدام السد كورقة خنق ضد الدولة المصرية؟!..القاهرة قدمت يدها للمساعدة فى توفير الكهرباء ومشروعات التنمية لإثيوبيا لكن لم تقابل اليد الممتدة إلا بالمكر والغش والخداع والتسويف.. قد يتساءل البعض، بدافع التبسيط أو التضليل، لماذا رفضت مصر بناء سد فى إثيوبيا وهى تمتلك السد العالى؟ والرد يكمن فى الفارق الجوهرى بين مشروعٍ بُنى ليكون نموذجًا فى «الإدارة الرشيدة» ومشروعٍ يدار بعقلية «الاستحواذ». فالسد العالى لم يصنف كأعظم مشروع هندسى فى القرن العشرين لمجرد ضخامته، بل لقدرته الفائقة على تحقيق التوازن المائى ومنع الكوارث عن ملايين البشر، وهو ما ترفض إثيوبيا الالتزام به عبر اتفاق قانونى. ولو أن أديس أبابا قبلت بمبدأ «الإدارة المشتركة» وسمحت للخبرات المصرية العريقة التى تدير واحدًا من أعقد المنظومات المائية فى العالم منذ عقود بالمشاركة، لكانت إثيوبيا أول المستفيدين وتجنبت المخاطر الفنية الجسيمة التى تلاحق مشروعها الآن وكادت تغرق السودان.. كما أن مصر شاركت بنفسها فى بناء عدة سدود فى دول المصب لخدمة أهداف التنمية بإفريقيا.. لكن بوضوح يكشف الرفض الإثيوبى المستمر للتعاون أن الغرض لم يكن «الكهرباء» فقط.