مهرجان بالم سبرينجز هو أحد المهرجانات الشهيرة بأمريكا، اكتسب خصوصية عن باقى المهرجانات الأمريكية لكونه أول مهرجانات العام، يفتتح الأحداث السينمائية ويركز على تكريم الأفلام والنجوم الأفضل خلال العام، المرشحة أو الفائزة بالجوائز، يلقى عليها ضوءًا ساطعًا قد يميزها لدى الأوسكار أو أى من المهرجانات وروابط النقاد والنقابات الأمريكية التى تتوالى اختياراتها بعد هذا المهرجان ذى الارتباط الوثيق بهوليوود المدينة وقلعة صناعة السينما. ومما يميز المهرجان اهتمامه بعرض أكبر عدد من الأفلام الدولية التى رشحتها دولها للأوسكار، يعرضها فى برنامج خاص ضم هذا العام 44 فيلمًا، اختار المهرجان أحدها وهو الفيلم المغربى «زنقة مالقا» لمريم توزانى لافتتاح دورته السابعة والثلاثين التى أقيمت خلال الفترة من 2 إلى 12 يناير 2026، وحرص على تنظيم جلسة حوارية بعد عرض كل فيلم، بحضور مخرجه وبعض أبطاله، لكن كان هناك وضع مميز للأفلام التى ضمتها القائمة الأولية لترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم دولى وعددها 15 فيلمًا، فقد أقيمت جلستان حواريتان مع مخرجيها بإدارة مجلة هوليوود ريبورترز، حضرها 13 مخرجًا كان بينهم مخرجو الأفلام العربية الأربعة التى ضمتها قائمة الأوسكار الأولية، العراقى الأمريكى حسن هادى مخرج «كعكة الرئيس»، والتونسية كوثر بن هنية مخرجة «صوت هند رجب»، والفلسطينيةالأمريكية شيرين دعيبس مخرجة «اللى باقى منك» ويمثل الأردن، والفلسطينية آن مارى جاسر مخرجة «فلسطين 36» ويمثل فلسطين وهو الأفضل بين الأفلام العربية هذا العام. الحرية وحقوق الإنسان اللافت للنظر أن الأفلام الخمسة عشر التى تتنافس فى القائمة الأولية، كلها تدافع عن حقوق الإنسان، تحت هذا العنوان تتنوع موضوعاتها ويختلف تناولها، عن الحرية ومناهضة استبداد الأنظمة الحاكمة كان الفيلم البرازيلى «العميل السرى»، عن حقوق المرأة ونضالها يأتى الفيلم الأرجنتيني» بيلين»، عن العنصرية ضد المسلمين فى الهند كان «العودة إلى الوطن»، أما الفيلم الكورى «لا خيار آخر» وهو أفضل الأفلام المتنافسة، فهو عن استغلال الرأسمالية للفقراء وتسببهم فى ضغوط اقتصادية قاسية تدفع الناس للجنون والمواجهة.. الأفلام العربية فى القائمة أيضًا تتناول قضايا تتعلق بحقوق الإنسان، الفيلم العراقى عن فترة حكم صدام حسين للعراق، ومظاهر الاستبداد التى فرضت على البلاد بما فيها الأطفال، ويطرح الفيلم تساؤلات حول ذكريات العراقيين عن صدام حسين وهل كان بعضهم يحبه ويمجده لأنه يستحق أم أنها عقدة ستكهولم؟ وذلك من خلال طفلة فقيرة تصر على أن تصنع كعكة للرئيس صدام حسين احتفالًا بعيد ميلاده. رومانسية أم الشهيد! أما الأفلام الثلاثة الأخرى فهى عن القضية الفلسطينية، تناول كل منها حقبة وزمن مختلف ورؤى متباينة... «اللى باقى منك» لشيرين دعيبس، فيلم متواضع فنيًا، تعانى مخرجته وهى المؤلفة أيضًا من فرط الإنسانية. اختارت فيما أسمته بالملحمة، ذكريات عائلتها، التى استولى المستوطنون اليهود على أرضها وبيتها، وتم تهجير الأسرة التى اختار عائلها الحياة فى هدوء، لكن بطبيعة الحال، كان هذا مستحيلًا، فقد استشهد الابن البكرى لمن تبقى من هذه الأسرة وهو يتظاهر ضد الاحتلال، لتفاجئنا شيرين المخرجة والتى أدت شخصية الأم بموافقتها وابنها بالمستشفى على التبرع بأعضائه، يرفض الأب فى البداية، فتأخذه الأم (المخرجة) ليستمع (ونحن معه) لرأى أحد المشايخ الذى يستفيض ليقنعه، ويتم التبرع بأعضاء الابن الشهيد، ويذهب قلبه لصبى إسرائيلى، ويذهب صبرنا مع المخرجة الرومانسية التى تحولت لحمامة سلام لديها استعداد لترك كل ما تبقى منها وترحل إلى كندا، لكنها تعود وزوجها بعد سنوات، لتلتقى بالصبى الإسرائيلى الذى يحمل قلب ابنها وقد أصبح رجلًا، لتتأكد أنه لم يلتحق بالجيش (ربما يقتل فلسطينيًا مثلًا) وتستكمل فيلمها الرومانسى وتتركنا لأدوية الضغط، وتترك الجمهور الغربى لدموعه متأثرًا بإنسانيتها وطيبة قلبها، متمنيًا أن يكون كل الفلسطينيين مثلها فيترك ما تبقى منهم ويرحل وله كل الشكر والامتنان! ملحمة «فلسطين 36» فى اليوم التالى كان «فلسطين 36» للمخرجة الموهوبة آن مارى جاسر ملحمة فنية رائعة، عن ثورة الشعب الفلسطينى فى 1936 ضد الاستعمار البريطانى، وما تلاه من أحداث مهدت للتقسيم وللاحتلال، تاريخ يبدو حاضرًا أمامنا، يذكرنا ببداية القمع والألم والمقاومة، ويصفع فيلم دعيبس، التى ربما لم تعرف التاريخ جيدًا، أو كونت وجهة نظرها من الذكريات المبتورة لأسرتها، غير طيبة قلبها طبعًا! انتزعت آن مارى جاسر احترام الجميع قبل إعجابهم بتحفتها الفنية التى أنجزتها بميزانية محدودة، لكنها بدت كإنتاج ضخم لفيلم عالمى يستحق الخلود والجوائز، وثيقة سينمائية عن فترة محورية يغفلها كثيرون، سبقت إعلان تقسيم فلسطين وقيام إسرائيل، قتل وقمع ونهب شرس وصراع اشتعل ولم ينته حتى الآن... فى الحلقة النقاشية أكدت جاسر أنها صنعت ملحمة تاريخيّة رغم عدم توفر تمويل كافى، وفى بلد يصعب التنقل فيها ولا تدعم السينما أو صناعها، فهى تعلم أنهم يصنعون أفلامًا تدور حوله، حول الاحتلال، لكنها فعلت ما تريد وما تقدر عليه، ومع استمرار الإبادة الجماعية كادت تتوقف، لكنها اختارت أن تعبر عن حريتها، فالسينما هى وسيلة لرفض الاستسلام، لرفض النسيان، وليس عليها إلا الاستمرار ، فكان الفيلم. والأسبوع القادم سيكون للفيلم ولقائى بالمخرجة آن مارى جاسر مساحة نقدية تليق به. صوت المقاومة الفيلم العربى الرابع «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية الرائعة كوثر بن هنية عن القضية الفلسطينية أيضًا، لكنها اختارت اللحظة الحالية، لتوثق حرب الإبادة الجماعية فى غزة، وجرائم الاحتلال ضد الأطفال والعزل من المسعفين ورجال الإنقاذ، وثقت المخرجة الموهوبة والتى تميزت بأسلوبها السينمائى الذى يمزج بين الروائى والتسجيلى، جريمة قتل الاحتلال للطفلة هند رجب وستة من عائلتها بسيارتهم فى محاولة للنزوح إلى مكان آمن وفقًا لأوامر الاحتلال الذى استهدفهم، وبقيت هند الصغيرة تستنجد بالهلال الأحمر الفلسطينى، الذى أرسل رجاله لإنقاذها لكن استهدفتهم دبابة إسرائيلية قتلتهم وقتلت الطفلة هند، فأصبح صوتها رمزًا لصوت أطفال غزة الذين اغتالهم الاحتلال وقد تجاوز عددهم حتى الآن ستين ألف طفل شهيد... واستقبل جمهور مهرجان بالم سبرينجز فيلم «صوت هند رجب» استقبالًا خاصًا، نظرًا لمواكبته للأحداث المشتعلة الآن بغزة.