أحمد عدوى شهدت الدراما التليفزيونية المصرية خلال الفترة الأخيرة حالة من النجاح الجماهيرى الكبير واللافت، خاصة مع عرض عدد من المسلسلات التى اعتمدت على قصص واقعية وأحداث مستوحاة من الحياة الحقيقية، وهو ما أعاد بقوة الحديث عن تأثير هذا النوع من الأعمال على الجمهور، ومدى قدرته على التفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والنفسية التى يمر بها المشاهد المعاصر، ومن أبرز هذه التجارب مسلسل «كارثة طبيعية» بطولة الفنان محمد سلام، والذى حقق تفاعلًا واسعًا منذ عرض حلقاته الأولى، إلى جانب مسلسل «ورد وشيكولاتة» بطولة محمد فراج وزينة، حيث استطاع العملان أن يلفتا الأنظار ويحققا نسب مشاهدة مرتفعة، فضلًا عن الإشادات النقدية التى طالتهما على مستوى الأداء والطرح والقضايا التى يناقشانها. هذا النجاح الجماهيرى لم يأت من فراغ، بل يعكس حالة من التغير الواضح فى ذائقة المشاهد، الذى بات أكثر ميلًا للأعمال التى تلامس واقعه اليومى وتعبر عن أزماته الحقيقية، سواء كانت اجتماعية أو نفسية أو إنسانية، وقد دفع هذا الأمر الكثيرين للتساؤل حول ما إذا كانت المسلسلات المأخوذة عن قصص حقيقية أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور مقارنة بالأعمال التى تعتمد على الخيال فقط، خاصة فى ظل تسارع وتيرة الحياة، وتزايد الضغوط، وحاجة المشاهد إلى محتوى يشعره بأن ما يراه على الشاشة يشبهه ويعبر عنه. تمتلك خصوصية أكد المؤلف محمد حلمى هلال أن الدراما الواقعية تمتلك خصوصية كبيرة، لأنها تعتمد فى الأساس على تجارب إنسانية حقيقية، وهو ما يجعلها قادرة على ملامسة القلب قبل العقل، ويضيف هلال أن هذا النوع من الأعمال لا يحتاج إلى مبالغة أو افتعال، لأن الواقع نفسه ملىء بالأحداث والصراعات والتفاصيل الدرامية التى قد تفوق الخيال أحيانًا، مشيرًا إلى أن الكثير من القصص الواقعية تحمل فى طياتها عمقًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. وأشار هلال إلى أن التاريخ الدرامى، سواء فى مصر أو على مستوى العالم، يثبت أن الأعمال المستوحاة من الواقع كانت دائمًا صاحبة حضور قوى ونجاح جماهيرى لافت، لأنها ترتبط بالذاكرة الجمعية للمجتمع، وتعكس لحظات فارقة أو أزمات عاشها الناس بالفعل، وأوضح أن المشاهد حين يدرك أن القصة التى يشاهدها قد حدثت بالفعل، فإنه يتعامل معها بقدر أكبر من الاهتمام والصدق، ويتفاعل مع شخصياتها وكأنها أشخاص حقيقيون يعرفهم أو مروا بتجارب مشابهة، وهو ما يمنح هذه الأعمال مصداقية عالية تجعلها راسخة فى ذاكرة الجمهور لفترة طويلة. لا توجد وصفة سحرية ومن جانبه، يرى المخرج محمد فاضل أن النجاح فى الدراما لا يمكن اختصاره فى كون العمل مأخوذًا عن قصة حقيقية فقط، مؤكدًا أنه لا توجد وصفة سحرية أو إرشادات ثابتة تضمن نجاح أى عمل درامى، ويضيف فاضل أن النجاح هو نتيجة تراكم مجموعة من العوامل الفنية المتكاملة، التى يجب أن تجتمع وتنسجم معًا حتى يخرج العمل بشكل متوازن وقادر على التأثير..وأوضح فاضل أن من أهم هذه العوامل وجود سيناريو قوى ومتماسك، مكتوب بحرفية عالية، يضع الشخصيات فى مسار درامى واضح، ويقدم صراعات منطقية ومتدرجة، إلى جانب رؤية إخراجية واعية قادرة على ترجمة النص إلى صورة جذابة ومؤثرة بصريًا، كما شدد على أهمية اختيار أبطال يمتلكون الموهبة والخبرة والقدرة على تقمص الشخصيات بصدق، بحيث يشعر المشاهد أن ما يراه على الشاشة حقيقيًا وغير مفتعل. وأضاف فاضل أن العمل الدرامى قد يحقق نجاحًا كبيرًا حتى وإن لم يكن مأخوذًا عن قصة واقعية، إذا توافرت له العناصر الفنية الصحيحة، مشيرًا إلى أن الخيال المدروس والمبنى على فهم عميق للنفس البشرية قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من نقل الواقع بشكل حرفى، خاصة إذا قدم بأسلوب ذكى يحترم عقل المشاهد ويحفزه على التفكير. السايكودراما وعلى الجانب النفسى، تحدث الاستشارى النفسى وليد هندى عن العلاقة القوية بين الدراما والصحة النفسية، موضحًا أن علم النفس يتضمن مفهومًا يعرف باسم «السايكودراما»، وهو نوع من العلاج النفسى يعتمد على مشاهدة أو تمثيل مواقف درامية تشبه الواقع الذى يعيشه الفرد، وأشار هندى إلى أن هذا الأسلوب يساعد الشخص على مواجهة مشكلاته بطريقة غير مباشرة، ويمنحه فرصة للتعبير عن مشاعره المكبوتة وفهم ذاته بشكل أعمق.. وأوضح هندى أن مشاهدة أعمال درامية تعكس معاناة أشخاص يمرون بتجارب مشابهة قد تمنح المشاهد شعورًا بالراحة والتفهم، بل وقد تساعده على إدراك أبعاد مشكلته بشكل أوضح، وضرب مثالًا بالشخص الذى يعانى من الإدمان، حيث إن مشاهدته لأعمال درامية تتناول حياة المدمنين وصراعاتهم يمكن أن تكون خطوة أولى نحو الوعى بالمشكلة، والتفكير الجاد فى البحث عن حلول حقيقية، وأضاف هندى أن الدراما الواقعية تمتلك تأثيرًا عميقًا لأنها تشعر المشاهد بأنه ليس وحيدًا، وأن هناك من مروا بالتجربة نفسها وواجهوا تحديات مشابهة، وهو ما يعزز الإحساس بالتعاطف والتواصل الإنسانى، ويدعم الصحة النفسية بشكل غير مباشر.. واختتم هندى حديثه بالتأكيد على أن الزمن هو أعظم مؤلف، إذ لا يمكن لأى كاتب، مهما بلغت موهبته وخياله، أن يؤلف ما يصنعه الزمن من أحداث وتجارب إنسانية معقدة ومتشابكة، ولذلك تظل الأعمال الدرامية المستوحاة من الواقع من أكثر الأعمال إثارة وتأثيرًا، لأنها تنقل حياة حقيقية مليئة بالصراعات والمشاعر الصادقة، وهو ما يجعلها الأقرب إلى قلوب المشاهدين، والأكثر قدرة على البقاء فى ذاكرتهم لفترات طويلة.