لا تنتهى الأسئلة المطروحة حول السريالية المصرية أبدًا، فكل جيل يأتى محملًا برغبة فى استكشاف ما لم يقدمه السابقون من إجابات يعود ذلك بوضوح إلى طبيعة هذا المنجز الفنى الذى لامس طموحًا إنسانيًا فى الارتقاء، متجاوزًا اتهامات «الغرابة» ليقدم أفكارًا بجرأة انحيازات سياسية تستند إلى قيم التحرر. لهذا فإن المداخل إلى قراءة أدبيات تلك الحركة ومسيرتها تتسم بالتنوع؛ حيث يمكن القراءة عنها من المدخل السياسى أو الفنى أو الاجتماعى، لأنها تقاطعت مع الحرب، ومع حركات التحرر من الاستعمار، ومع العلاقة المركبة بين الشرق والغرب فى لحظات أفول عالم قديم وتشكل آخر. فى كتابه الضخم «السريالية فى مصر: الحداثة وجماعة الفن والحرية»، الصادر عن دار العين بترجمة عبد الرحيم يوسف، يغوص الباحث سام بردويل فى أكثر من 600 صفحة ليستقصى جذور حركة نشأت قبل ما يقرب من تسعين عامًا. ففى 4 فبراير 1937 قدم جورج حنين محاضرة تأسيسية حملت عنوان «حصيلة الحركة السريالية فى مصر»، ويعتبر بردويل أنها كانت بمثابة تدشين شبه رسمى للحركة، لكن ثمة اتفاق على أن الانطلاقة الحقيقية جاءت فى 22 ديسمبر 1938 مع توقيع بيانها المؤسس «يحيا الفن المنحط». وهو العنوان الذى لم يكن مجرد استعارة، بل استراتيجية مواجهة أيديولوجية؛ فمن خلال تبنى المصطلح الذى وصمت به النازية الفن الحديث، نقلت جماعة «الفن والحرية» السريالية فى مصر من حيز المحاكاة الجمالية إلى حيز المقاومة السياسية العالمية ضد الفاشية والاستعمار. تؤسس الحركة المحلية لنفسها بذلك استقلالية عن الحركة الغربية، وهى أحد دعائم الكتاب الأساسية؛ حيث يرفض بردويل اعتبار القاهرة مجرد «تابع» لباريس، بل يراها قطبًا فاعلاً ومؤثرًا ووفق مراجعة الناقدة دينا رمضان التى يوردها المترجم فى مقدمته، ضمن إشارات أخرى تسعى لإبراز قيمة العمل وسط الدراسات الأخرى عن الحركة، فإن «التوتر والشد الأكثر حضورًا وإلحاحًا طوال الكتاب هو نتاج لمراوحة بردويل بين هيمنة السياق المحلى والشبكة الدولية.» وفى هذا تكمن قيمة عمل بردويل أنه لا يؤرخ لحدث ميت، بل يفكك اشتباك الحركة مع سياقها العالمى والمحلى. وكما يشير الباحث يوهانس مقار، يثبت بردويل أن الجماعة نشأت من قلب هموم محلية أدت بهم إلى الاختلاف حتى مع حركات دولية ثورية. ولعل الجانب الأكثر إثارة للإعجاب هو الجهد الأرشيفي؛ إذ يرى رياض خير الدين أن الكتاب حشد كنزًا من المواد والمراسلات التى تُنشر لأول مرة، مما كشف عن مقدار رسوخ الجماعة فى شبكات السريالية الدولية. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهرى يطارد القارئ: لماذا أُقصيت السريالية المصرية من المشهد العام؟ ولماذا خفت حضورها إلا عبر استدعاءات فردية؟ لقد حاول بردويل، كما أشار المترجم عبد الرحيم يوسف، أن يجد تفسيرًا لانتهاء هذه «القصة الجيدة». ويبدو أن الإجابة تكمن فى اصطدام راديكالية الجماعة بصعود الأيديولوجيات القومية والواقعية الاشتراكية التى سادت لاحقًا، وضيق الخناق على الفنون التى لا تخدم الخطاب الرسمى لذلك، فإن هذا الكتاب ليس مجرد سرد لتاريخ فنى، بل هو دعوة لاستعادة إرث «الفن والحرية»؛ ليس كتحفة متحفية، بل كجذوة فكرية يحرص المخلصون على إبقائها متقدة، على أمل أن تسود قيم التحرر مجددًا. من وجهة نظرى الشخصية فإن الكتاب صالح للقراءة فى لحظتنا الحالية التى ينفلت فيها زمام كل شىء على مستوى المؤسسات الدولية التى أبقت التوازنات قائمة من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتنهار فيها التفاهمات التى تأسس عليها الواقع السياسى العالمى، ونشهد تصاعدًا لقوى اليمين، والفاشية، مع نذر باتساع رقعة الحروب الإقليمة، كل هذا نراه من خلال فصول الكتاب كأن التاريخ ينبعث حيًا ليعيد علينا طرح الأسئلة ذاتها التى كانت مثارة قبل قرن من الزمان ووفقها تأسست السريالية بفروعها حول العالم وفى القلب منها الحركة المصرية. فإن كانت الثورة الصناعية قد أضرت بالعمال بما جعل منها وفق الكتاب: «موضوعات تناولتها جماعة الفن والحرية فى أعمالها الأدبية، وفى كتاباتها للنقد الاجتماعى، وكذلك فى إنتاجها البصري.» فإننا نواجه تحديات مماثلة إن لم تكن أشد خطورة بتغول الذكاء الاصطناعى ليس على حقوق العمال بل وعلى الوجود الإنسانى نفسه عبر تزييف الأفكار وتقليدها ونقل الوعى البشرى نفسه إلى المستوى الآلى. الكثير من مفاهيم السريالية وبالذات جماعتها المصرية فى حاجة إلى إعادة قراءة وتأمل وفق الظرف الحالى، وهذا ما يشير إليه الكتاب من طرف خفى «يمكننا أن نعد دعوة رمسيس يونان لمفهوم الانقلاب الثقافى أحد إسهامات جماعة الفن والحرية الأساسية نحو إحداث تحول فى الخطاب عن الفن والإقليمية» هذا الاقتباس من الكتاب أحد الأمثلة على سبل التفكير فى الفن، الثقافة، السياسة، وغير ذلك من موضوعات يجد القارئ نفسه قريبًا منها للغاية وكأنه أحد أعضاء جماعة الفن والحرية، أو على الأقل مؤيد لبيانها: يحيا الفن المنحط!