فى ذكرى ميلاده أول يناير 1919 يظل إحسان عبد القدوس حاضرًا، وكأن صوته لا يزال يطرح الأسئلة التى تشغلنا اليوم عن الحرية والعدالة والعلاقات الاجتماعية، لم يكن مجرد كاتب عظيم تحولت رواياته إلى أفلام، بل عقل ناقد يقرأ الواقع من داخله ويستشرف المستقبل، وكأنه شاهد على عصرنا. يتجلى ذلك بوضوح فى فيلم شاهدته منذ أيام «أنا حرة»، المأخوذ عن إحدى رواياته، ويتناول قصة حياة فتاة متمردة، تبحث عن الحرية، بمفاهيم تخرج عن سياق عادات المجتمع فى عالم ملىء بالقيود. يعد فيلم «أنا حرة» الصادر عام 1959علامة فارقة فى تاريخ السينما المصرية، ليس فقط لجرأة طرحه الدرامى، بل لكونه صرخة مبكرة فى وجه الجمود الفكرى والاجتماعى، وجاء هذا العمل بتوقيع رائد الواقعية المخرج صلاح أبو سيف، وبطولة لبنى عبد العزيز وشكرى سرحان وحسين رياض، ليشكل مرآة عاكسة لتحولات كبرى فى بنية المجتمع المصرى. تأتى أهمية هذا العمل من كونه جاء فى ذروة المد الثورى الناصرى، الفترة التى أعقبت ثورة 1952، وشهدت صعود القومية العربية والتحرر من الاستعمار بعد العدوان الثلاثى، ولم يكن الفيلم مجرد حكاية عن فتاة متمردة، بل كان تجسيدًا لمشروع الدولة الحديثة التى تسعى لدمج المرأة فى سوق العمل والحياة العامة كشريك أساسى فى البناء الوطنى، وسط حراك طبقى أدى إلى صعود الطبقة المتوسطة، وتراجع الرواسب الأرستقراطية والتقاليد الرجعية التى كانت سائدة فى العهد الملكى. وفى قلب هذا المناخ المشبع بروح التغيير والحماس الثورى، تتجلى قصة «أمينة» المتمردة على سلطة الرجل والمجتمع وتسعى للاستقلال، وحين ظنت أنها تبحث عن الحرية الفردية المطلقة، وجدت نفسها تنخرط طواعية فى «قيود» المسئولية الوطنية والسياسية، وتختار دخول السجن بجانب حبيبها المناضل «عباس»، لتدرك أن الحرية الحقيقية ليست فى الانفلات من الضوابط، وإنما اختيار القضية التى تستحق التضحية. هذا الفهم العميق للحرية هو ما جعل إحسان عبد القدوس يسبق عصره باستشراف للمستقبل، حيث لم يطرح التمرد كشكل خارجى أو عروض أزياء، بل كوعى فكرى يربط بين «التمكين» و«المسئولية»، وهى القضية التى ما زالت تتصدر النقاشات المعاصرة. ولمس إحسان مبكرًا أزمة الهوية وصراع الأجيال بين التقاليد الموروثة والرغبة فى التحديث، مقدمًا علاقة «الندية» بين الجنسين كبديل للتبعية التى كانت سائدة فى ذلك الزمن، ليظل «أنا حرة» دراسة اجتماعية وسياسية ورسالة من إحسان عبد القدوس، تؤكد أن الفن هو السلاح الأقوى للتغيير ومواجهة الجهل، وتحقيق التحرر الفعلى للإنسان. كتابات إحسان عبد القدوس تجسد ضمير أدرك أن الأدب طاقة مقاومة ونقد وإضاءة، أن الكلمة الصادقة توقظ الوعى وتقاوم النسيان، وأن الحرية لا تُمنح بل تُبنى داخل الإنسان، حين يعرف مسئوليته تجاه نفسه ومجتمعه.