التربية ليست حماية الطفل من الإحساس بالحرمان، بل تعليمه كيف يتعامل مع الحرمان حين يأتي؟. ليست أن نمنحه كل شيء، بل أن نعلّمه لماذا لا يحصل على كل شيء؟. أن نجعل حياته مليئة بالأهداف لا بالأشياء، بالحركة لا بالكسل، بالسعي لنفع الناس لا بالتفاخر بما يملك. لكن لماذا يغضب أبناؤنا رغم أننا لم نبخل عليهم بشيء؟ لماذا يعلو صوتهم، ويضيق صدرهم، وهم يملكون ما تمنّيناه يومًا ولم نملكه؟ وهل يعد ذلك اعترافًا متأخرًا بأننا أخطأنا الطريق؟. في البداية ليست المشكلة في كثرة ما نُعطي، بل في نوع ما نُعطي. فحين تتحول التربية إلى سباق لتلبية الرغبات، ويُختصر الحب في الاستجابة الفورية، نكون قد قدّمنا للأبناء حياة سهلة... بلا طعم. نزعنا منهم لذة الكد، ومتعة السعي، ونشوة الوصول بعد تعب، ففقدت الحياة معناها لديهم، وصار الامتلاء سببًا للملل، والراحة بابًا للسخط. حتى كبروا وهم لا يعرفون معنى أن ينتظر الإنسان ثم يفرح، أن يتعب ثم ينجح، أن يحلم ثم يسعى. كبروا دون أن يتذوقوا طعم الإنجاز، فصار كل شيء متاحًا... بلا قيمة. وما لا يُتعب لا يُقدَّر، وما لا يُنتظر لا يُفرِح. لذلك حين حُرموا من لذة السعي، حُرموا أيضًا من لذة العطاء. لم نعلّمهم كيف ينظرون إلى الفقراء بعين الرحمة لا بعين الشفقة، ولا كيف يُقدّم الإنسان غيره على نفسه في موقفٍ بسيط فيكبر في داخله معنى الإيثار. فجفّت النفوس، وقست القلوب، لأن القلوب التي لا تتعلّم العطاء، تنغلق على ذاتها وتضيق. ثم كان الفراغ الأكبر... فراغ المعنى. حين غاب العلم كقيمة، والإيمان كطمأنينة، لم يبقَ في القلب ما يملؤه حقًا. فالعلم يرفع الإنسان فوق نزواته، والإيمان يمنحه ميزانًا داخليًا يهدّئه حين تضطرب الدنيا. وحين يُحرَم الأبناء من هذين، لا يبقى في الداخل إلا صخب بلا وجهة. في النهاية قيمة الابن لا تُقاس بهاتف في يده، ولا بسيارة تحمله، ولا بنظارة يضعها على عينيه. قيمته فيما يحمله في قلبه من خير، وفي عقله من علم، وفي سلوكه من خُلق. قيمته في عبادته التي تزكّي روحه، وفي برّه بوالديه، وفي احترامه لمجتمعه، وفي أثره الطيب حيثما حلّ. فما نزرعه اليوم في نفوس أبنائنا سنحصده غدًا في مواقفهم، في قراراتهم، في طريقة تعاملهم مع الحياة والناس.