لم يعد انتهاك الخصوصية جريمة ترتكب في الخفاء، بل أصبح فعلًا علنيًا يمارس أمام الجميع، وتحت لافتة زائفة اسمها الترند.. كاميرا مرفوعة بلا إذن، هاتف يفتح في لحظة ضعف، صورة تلتقط دون استئذان، ثم تلقى في ساحة السوشيال ميديا لتحاكم حياة كاملة في ثوان معدودة.. لم يعد الفارق كبيرًا بين انسان عادي ومشهور فكلاهما أصبح هدفًا لعدسة هاتف لا ترحم وعين لا ترى في البشر سوى مادة قابلة للنشر والمشاركة والتعليق.. لحظة حزن.. سقطة إنسانية.. دمعة.. انهيار، كلها تحولت من مشاعر إنسانية إلى محتوى ومن خصوصية مصونة إلى سلعة تتداول بلا وعي أو رحمة.. الخطير في الأمر أن الجريمة لم تعد كاميرا فقط بل جمهورا كاملا يضغط شير دون سؤال، فأصبحنا في زمن فيه الحياة الخاصة مشاع للعامة، وصار انتهاك الخصوصية أخطر من مجرد صورة أو فيديو لأنه يترك أثرًا نفسيًا لا يُمحى وجرح لا يظهر على الشاشة لكنه يبقى في الذاكرة لوقت طويل.. للاسف ضحايا كثيرين سقطوا تحت ضغط التشهير والسخرية والتنمر وانتهاك خصوصيتهم.. فبعضهم فقد سمعته وبعضهم فقد عمله وآخرون فقدوا سلامهم النفسي.. وربما أكثر، تفاصيل أكثر سوف نسردها لكم في السطور التالية. عندما تحول العزاء إلى ساحة كاميرات.. لم يكن أحمد الفيشاوي حاضرًا في مناسبة فنية أو عرض خاص بل كان يؤدي واجبًا إنسانيًا ثقيلا على القلب، داخل عزاء والدته الفنانة الكبيرة الراحلة سمية الألفي..مكان يفترض أن يحكمه جلال الموت ويخيم عليه الصمت والاحترام.. لا عدسات الهواتف ولا سباق اللقطة.. لكن المشهد كما وثقته مقاطع الفيديو المتداولة كشف عن حالة من الفوضى البصرية، مصورون يلاحقون الفنان داخل العزاء يحاولون التقاط صور قريبة بينما بدا أحمد الفيشاوي في حالة انفعال واضح يطلب منهم التراجع وترك ممر للمعزين بل وظهر وهو ينظم حركتهم بنفسه حتى لا تتحول لحظة العزاء إلى ما يشبه السجادة الحمراء بمهرجان فني، الواقعة لم تكن اشتباكًا بالمعنى الحرفي كما روج لها على صفحات السوشيال ميديا المختلفة، لكنها كانت صدامًا صريحًا بين حزن إنساني حقيقي وعدسات لا تعرف التوقيت المناسب، هي جريمة تتفاقم تحت مسمى الترند.. البعض رأى في تصرف أحمد الفيشاوي عصبية غير مبررة بينما رأى آخرون أن ما حدث كشف أزمة أعمق.. في حقيقة الامر الواقعة أثارت نقاشًا واسعًا حول أخلاقيات التصوير بكاميرا الهواتف التي تحولت إلى لعنة في جنازات المشاهير والعزاءات وحدود التغطية الإعلامية وهل المشاهير مطالبون دائمًا بتقبل الكاميرا حتى في لحظات الفقد؟! في واقعة مختلفة في الشكل لكنها متشابهة في الجوهر، وكانت صورة واحدة كسرت خط الأمان بتصوير غير مشروع.. وجدت الفنانة ريهام عبد الغفور نفسها ضحية انتهاك صارخ للخصوصية داخل مكان عام يفترض أنه آمن عرض خاص لفيلم.. وخلال جلوسها بهدوء التقطت لها صورة من زاوية غير لائقة دون علمها أو إذنها وسرعان ما تداولت الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي مصحوبة بتعليقات ساخرة وتنمر فج تجاوز النقد إلى الإهانة المباشرة، في الوقت ذاته خرجت ريهام عبد الغفور عن صمتها وعبرت بوضوح عن غضبها واستيائها مؤكدة أن ما حدث ليس زلة كاميرا بل سلوكا عدوانيا أصبح شائعًا في زمن الهواتف المفتوحة دائمًا.. رد الفعل لم يقتصر على الفنانة فقط بل تحركت نقابة المهن التمثيلية معلنة اتخاذ إجراءات قانونية واعتبرت الواقعة انتهاكًا صريحًا للخصوصية حتى وإن حدثت في مكان عام.. رغم اختلاف المشهدين إلا أن الخيط المشترك بينهما واحد فالخصوصية هي الضحية.. فعرض محتوى خاص بلا إذن لم يعد استثناءً.. بل أصبح سلوكًا متكررًا ومبررا عند البعض.. ففي الجنازات صارت كاميرات الهواتف لا تحترم جلال الموت.. وفي العرض الفني الكاميرا لا تحترم الجسد ولا الكرامة.. وصارت لا تفرق بين مشاهير أو مواطنين عاديين النتيجة واحدة.. شعور بالانكشاف والغضب والعجز أمام شاشة تمسك باللحظة وتحولها إلى مادة استهلاك عام. فما جرى مع أحمد الفيشاوي في العزاء وما تعرضت له ريهام عبد الغفور على منصات التواصل لا يمكن قراءتهما كحالتين منفصلتين أو مجرد هفوات فردية، بل هما انعكاسا مباشرا لتحول خطير في وعي المجتمع تجاه مفهوم الخصوصية، في الواقعتين كان المشهد واحدًا تقريبًا شخص في لحظة إنسانية خالصة حزن.. انفعال.. ضعف.. ليجد نفسه فجأة مادة مفتوحة للتصوير والتداول والمحاكمة الجماعية دون إذن أو مراعاة أو حتى شعور بالذنب من المنتهكين.. كما أن اللافت أن الانتهاك هنا لم يصدر عن جهة رسمية أو مؤسسة إعلامية بل عن أفراد عاديين مسلحين بهواتف ذكية وحسابات على السوشيال ميديا.. وهذا ما يكشف عن انتقال خطير لانتهاك الخصوصية من كونه جريمة فردية إلى سلوك اجتماعي، فالكاميرا لم تعد أداة توثيق بل تحولت إلى وسيلة اقتحام والهاتف لم يعد ملك صاحبه فقط بل سلاحا ينتهك به حياة الآخرين دون حساب، ففي حالة أحمد الفيشاوي كان الاعتداء على الخصوصية جسديًا ومباشر داخل عزاء يفترض أنه مساحة صمت واحترام، أما في حالة ريهام عبد الغفور فجاء الانتهاك رقميًا ونفسيًا عبر سيل من التعليقات الجارحة والتنمر وكأن التعبير عن الضعف الإنساني أصبح خطأ يستوجب العقاب القانوني، وهنا يتجلى الخطر الأكبر فلم يعد انتهاك الخصوصية مرتبطًا بالصورة أو الفيديو فقط بل امتد ليشمل المشاعر والانفعالات وحتى الحق في الحزن، والأخطر أن الشهرة في هذه الحالات لا تحمي بل تزيد من حجم الانتهاك، فالمشهور يجرد من صفته الإنسانية لصالح كونه محتوى.. وكل تصرف له يصبح مباحا للاستهلاك والتأويل والسخرية، كما أن الربط بين الواقعتين يكشف حقيقة واحدة وهي أنه نحن أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.. أزمة في احترام الحدود في فهم معنى الحياة الخاصة وفي إدراك أن الكاميرا لا تمنح حق مطلق وأن المتابعة لا تعني الامتلاك.. ومع استمرار هذا السلوك دون ردع مجتمعي أو وعي حقيقي، تتحول الخصوصية من حق أصيل إلى رفاهية مهددة بالانتهاك في أي لحظة. شعبة المصورين في الوقت ذاته، أصدرت شعبة المصورين الصحفيين بنقابة الصحفيين بيانًا رسميًا تدين فيه تصوير أحد المصورين لعزاء والدة الفنان أحمد الفيشاوي الفنانة الراحلة سمية الألفي، بطريقة وصفتها الشعبة بالمخالفة الصارخة للقواعد المهنية والأخلاقية، الواقعة أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب توجيه الهاتف المحمول عن قرب في لحظة حزينة وخاصة، أكدت الشعبة في بيانها أن ما حدث يمثل خروجًا عن أبسط القواعد المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي، مشيرة إلى أن تصوير لحظات الحزن الخاصة للأفراد عن قرب دون إذن يُعد تصرفًا غير مقبول، وجاء نص البيان: تدين شعبة المصورين الصحفيين ما قام به أحد المصورين خلال عزاء والدة الفنان أحمد الفيشاوي من توجيه الهاتف المحمول والتصوير عن قرب وفي لحظة حزن إنساني خاصة، في تصرف يخالف أبسط القواعد المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي، وشددت الشعبة على أن تغطية العزاءات والجنائز تخضع لقواعد صارمة تحافظ على توازن بين حق الإعلام في التغطية واحترام خصوصية المشاعر الإنسانية، مؤكدة رفض أي خروج عن هذه المعايير، وأضاف البيان: شعبة المصورين الصحفيين تلتزم التزامًا كاملًا بالقيم الأخلاقية للمهنة، وترفض أي ممارسات من شأنها الإساءة للعمل الصحفي أو تشويه صورته أمام المجتمع. نقابة المهن التمثيلية كما أعلنت نقابة المهن التمثيلية، برئاسة الفنان الدكتور أشرف زكي، تقدمها بشكوى رسمية إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ضد عدد من الوسائل الإعلامية والصفحات التي تتبعها تلك المؤسسات، على خلفية ما جرى تداوله من محتوى مُسيئ بحق الفنانة ريهام عبد الغفور، تضمَّن تجاوزات بعيدة عن المهنية بشكل واضح، وأكدت نقابة المهن التمثيلية، في بيانها، أن ما نشر يمثل إساءة مباشرة لفنانة لها تاريخ فني محترم، ويخالف القيم المهنية والأخلاقية، ويخرج تمامًا عن حدود حرية الرأي والتعبير، كما شددت نقابة المهن التمثيلية على رفضها القاطع لأي محاولات للنيل من كرامة الفنانين أو التقليل من شأنهم، مؤكدة أنها لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية أعضائها، والحفاظ على صورة الفن المصري ورموزه، وطالبت نقابة الممثلين، المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، باتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية ورادعة تجاه المخالفين، بما يضمن ضبط الأداء الإعلامي، ومنع تكرار مثل هذه التجاوزات التي تسيئ للأفراد وللمشهد الفني والإعلامي بشكل عام، واختتم البيان بالتأكيد على دعم النقابة الكامل للفنانة ريهام عبد الغفور، ووقوفها إلى جانبها ضد أي إساءة أو تجاوز، مع الدعوة إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام الرموز الفنية. القانون بالتواصل مع إسلام محمد المحامي بدأ حديثه قائلاً: في حقيقة الأمر شهدت الأحداث الأخيرة بعضًا من تجاوزات في حق خصوصة الآخرين فما حدث في وقائع انتهاك الخصوصية سواء مع أشخاص عاديين أو مع فنانين وشخصيات عامة لا يندرج تحت بند الفضول أو السبق الصحفي كما يروج البعض بل يدخل صراحة في نطاق الجرائم المعاقب عليها قانونًا وفقًا للتشريع المصري كما أن الدستور أكد على احترام الأخرين وعدم اختراق خصوصيتهم، حيث أكد الدستور في مادته 57 على للحياة الخاصة حرمة وهى مصونة لا تمس وللمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة وسريتها مكفولة ولا تجوز مصادرتها أو الإطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة وفى الأحوال التى يبينها القانون.. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها بشكل تعسفى وينظم القانون ذلك، فالمادتان 25 و26 من قانون الجرائم الإلكترونية ردع قانوني لجرائم التشهير والابتزاز، وأكد على ذلك المشرع وخاصة في القانون رقم 175 لسنة 2018 المعنى بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات حيث اهتم بالجرائم المتعلقة بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع وذلك في المادة 25 والتي نصت على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصرى أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاء، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة، كما نصت المادة 26 من ذات القانون على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى مناف للآداب العامة، أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه. ففي النهاية ما نشهده اليوم من اقتحام لحياة الناس سواء مشاهير أو غيرهم ليس حرية تعبير ولا صحافة ولا محتوى بل جريمة مكتملة الأركان .. ضحيتها إنسان .. وسلاحها موبايل .. ودافعها تريند، ووالقانون موجود لكن الفيصل الحقيقي هو وعي المجتمع .. واننا نفهم أن ليس كل ما نراه ينشر وليس كل ما يصور يشارك لأن الخصوصية حق وليست رفاهية. اقرأ أيضا: كاميرات المراقبة شاهد صامت على الجرائم.. وإساءة الاستخدام تحولها لسلاح ينتهك الخصوصية