فتح البلاغ الذي تقدمت به الفنانة هيفاء وهبي للنائب العام ضد عدد من الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي التي نشرت صورًا وفيديوهات مفبركة تحمل محتوى خادشًا للحياء منسوبة لها زورًا باستخدام الذكاء الاصطناعي حالة من الجدل حول خطورة تقنية Deepfake ومدى تأثيرها على الأفراد والمجتمع. وأكد البلاغ الذي تقدم به المستشار شريف حافظ محامي هيفاء؛ أن الهدف من هذه المواد المفبركة هو الإساءة للفنانة وتشويه سمعتها أمام الرأي العام وطالب بالتحقيق مع كل المسئولين عن نشرها أو تداولها سواء كانوا الناشرين الأوائل أو مجرد وسطاء. من الناحية القانونية يرى المحامي أحمد السعيد؛ أن قضية هيفاء وهبي تبرز الحاجة لتطوير التشريعات لمواكبة التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يعطي النيابة صلاحية ملاحقة كل من يشارك في نشر محتوى مفبرك أو مسيئ لكن تعقيد تتبع الحسابات المزيفة والسيرفرات الدولية يجعل من الضروري تطبيق أدوات تقنية متقدمة لضمان تحديد المسئولين ومحاسبتهم. التحدي التكنولوجي لا يقل خطورة حسب ما يوضح خبير أمن المعلومات الدكتور مصطفى حسن فإن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة الصوت وحركات الوجه بدقة عالية تجعل اكتشاف التزييف شبه مستحيل للمستخدم العادي وهو ما يجعل من الضروري تطوير أدوات كشف متقدمة تعتمد على تحليل البكسل والحركة والإضاءة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحديد أي تشوه رقمي. لهذا فهذا البلاغ لم يكن مجرد حادث فردي بل يسلط الضوء على ظاهرة أكبر وأكثر خطورة في عالم اليوم الرقمي وهي تقنية الديب فيك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتزوير الفيديوهات والصوتيات بشكل يحاكي الواقع بدقة مذهلة هذه التقنية تعتمد على التعلم العميق Deep Learning والشبكات العصبية المتقدمة ما يمكنها من محاكاة وجوه الأشخاص وحركاتهم ونبرات أصواتهم بشكل شبه مستحيل اكتشافه بالعين المجردة. نشأته نشأت تقنية Deepfake عام 2014 بفضل الباحث إيان جود فلو الذي طور نموذج الشبكات التوليدية المتضادة GAN والذي سمح للذكاء الاصطناعي بتوليد محتوى رقمي يبدو حقيقيًا تمامًا من بيانات تم تدريب النظام عليها ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه التقنية سلاحا ذو حدين فهي تُستخدم لأغراض ترفيهية وأعمال فنية وفي الوقت نفسه تُستغل في الاحتيال والابتزاز والتشهير والتأثير السياسي والاقتصادي كما تظهره حالات الاحتيال المالي أو الابتزاز عبر الفيديوهات المفبركة حول العالم. لذلك ما حدث مع هيفاء ليس حكرًا على المشاهير بل يمثل تهديدًا لكل فرد في المجتمع؛ فالديب فيك يخلق عالمًا رقميًا لا يمكن الوثوق فيه حيث ما تراه العين أو تسمعه الأذن لم يعد معيار الحقيقة فيمكن لأي شخص أن يُبتز أو تُشوه سمعته بسهولة، ويمكن للفيديو المفبرك أن يؤثر على قرارات سياسية أو مالية أو اجتماعية. أمثلة كثيرة تؤكد خطورة هذه التكنولوجيا منها ما حدث لموظف مالي دفع ملايين الدولارات في هونج كونج بعد مكالمة فيديو مزيفة أو ما حدث لسيدة بريطانية تعرضت للاحتيال عبر Deepfake لتحويل مبالغ مالية كبيرة أو عصابات استخدمت الفيديوهات المزيفة للتشهير بالفتيات وابتزازهن. وهنا في مصر كانت أكثر من جريمة وقعت فيها فتيات ضحية التزييف العميق وتم ابتزازهن لكن جهود وزارة الداخلية أعادت لهم حقوقهم وتم إلقاء القبض على المتهمين في كل القضايا التي أثارت الرأي العام خلال الفترة الأخيرة. لكن في الوقت نفسه تُستخدم التقنية أحيانا لأغراض ترفيهية مثل مقاطع الفيديو التي تتضمن توم كروز أو شخصيات مشهورة أخرى كما سبق وشاهدنا في أكثر من إعلان لكن حتى هذه الاستخدامات تبرز قدرة Deepfakeعلى خداع العين وإيهام المشاهد بالواقع. الحماية من هذه التهديدات تتطلب وعيا رقميا كاملا قد لا يكون متوفرًا للشخص العادي لكن الشرح المبسط من خبراء التكنولوجيا يتحدث عن أن الحماية تبدأ من ضبط إعدادات الخصوصية واستخدام كلمات مرور قوية ومصادقة ثنائية كما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي حاليًا بالإضافة إلى توثيق أي محتوى مشبوه وإبلاغ الشرطة أو المنصات المختصة. الحل فاستخدام هذه التقنيات في إنشاء فيديوهات مفبركة أصبح يمثل تهديدًا مباشرًا للثقة الاجتماعية كما يرى خبير علم الاجتماع الدكتور محمد عوض والذي يقول: إن ذلك يخلق حالة من الريبة العامة تجاه أي محتوى بصري أو صوتي على الإنترنت مضيفا أن المجتمع أصبح في وضعية شك دائم فحتى ما يُرى بالعين لم يعد ضمانًا للحقيقة وهذا يضع ضغطا نفسيًا هائلًا على الأفراد ويؤدي إلى فقدان مصداقية الشخص أمام محيطه خاصة الشخصيات العامة والمشاهير ويمكن أن يمتد تأثيره إلى الأفراد العاديين الذين يمكن أن يُستغلوا في ابتزاز أو تشويه السمعة. أما من الناحية التكنولوجية، فإن Deepfake يمثل تحديًا كبيرًا لأمن المعلومات والمجتمعات الرقمية كما يؤكد الدكتور مصطفى حسن خبير أمن المعلومات؛ أن تقنيات Deepfake تمثل ثورة مزدوجة فهي مفيدة في الترفيه والأعمال السينمائية لكنها في الوقت نفسه تشكل تهديدًا كبيرا للأمن الرقمي. اقرأ أيضا: «deep fake».. تقنية الحرب القذرة غبر الفيديوهات «المزيفة» ويضيف مصطفى حسن؛ أن الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على محاكاة الصوت وحركات الوجه بدقة عالية لدرجة تجعل اكتشاف التزييف شبه مستحيل للمستخدم العادي وهذا يفرض على الشركات والأفراد استخدام أدوات متقدمة للكشف عن التزييف مثل برامج تحليل البكسل وخوارزميات الذكاء الاصطناعي للكشف عن أي تشوه رقمي أو نمط غير طبيعي في الفيديوهات والصور وهو ما بدأت في تطويره الشركات الكبيرة للكشف عن التزييف ودمج خوارزميات تشفير وتجزئة في الفيديوهات لمنع تعديلها وذلك لإن أي شخص حاليًا يمكن أن يستيقظ يومًا ليجد نفسه بطل فيديو لم يشارك فيه يقول كلمات لم ينطق بها وتتصرف في مشاهد لم يعشها أبدا وكل العالم يشاهدك وهذا ليس فيلم خيال علمي بل واقع. لذلك قضية هيفاء وهبي تمثل نموذجًا حيًا للمعركة الحديثة بين الإبداع الرقمي والأخلاقيات بين حرية التعبير وحماية الأفراد من الابتزاز والتشهير، فتلك القضية نستطيع أن نقول إنها تذكير بأن ما نراه ليس دائمًا الحقيقة وأن التكنولوجيا مهما كانت رائعة يمكن أن تتحول إلى أداة تهديد إن لم تُستخدم بمسؤولية.