مع إشراقة عام جديد، يدعونا المتحف المصري بالقاهرة إلى لحظة تأمل في أصل الحكاية الأولى للمعرفة، فبين جدرانه، لا تستقبلنا الآثار بصمت، بل تحيينا شخصيات صنعت تاريخ الفكر الإنساني. ومن بينها يقف تمثال "الكاتب الجالس" شاهدًا على حضارة أدركت مبكرًا أن القوة الحقيقية لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالعقل والعلم والتدوين، إنه رمز لإنسان جعل من الكلمة أداة للخلود، ومن المعرفة طريقًا لبناء الدولة والحضارة. يُعد تمثال الكاتب الجالس أحد أبرز أيقونات المتحف المصري بالقاهرة، لما يحمله من دلالات فكرية وفنية تعكس جوهر الحضارة المصرية القديمة، يعود التمثال إلى عصر الدولة القديمة، وبالتحديد إلى الأسرة الخامسة، وهي فترة ازدهر فيها دور الكتبة بوصفهم العمود الفقري للإدارة والدولة والتنظيم الاجتماعي. نُحت التمثال من الحجر الجيري الملون بدقة متناهية، ويُظهر الكاتب في وضع الجلوس، ممسكًا بأدوات الكتابة، في هيئة رسمية هادئة تعكس الوقار والتركيز، وتُعد عيناه المصنوعتان من البللور والكالسيت من أكثر عناصر التمثال إبهارًا، إذ تمنحانه نظرة حية نافذة، وكأن الكاتب ما زال يراقب الزمن ويستعد لتسجيل الحكمة للأجيال القادمة. لم يكن الكاتب في مصر القديمة مجرد ناسخ للنصوص، بل كان رمزًا للمعرفة والسلطة الفكرية، وحلقة الوصل بين الحكام والشعب، وحافظًا للنظام والقانون، وقد جسّد هذا التمثال تلك المكانة الرفيعة، حيث جمع بين الواقعية الفنية والدلالة الرمزية، ليقدّم صورة إنسانية عميقة لشخصية أساسية في بناء الدولة المصرية. واليوم، يستقبل تمثال الكاتب الجالس زواره في القاعة رقم 42 بالدور الأرضي في المتحف المصري بالقاهرة، ليمنحهم فرصة فريدة لبدء العام الجديد بلقاء مباشر مع رمز من رموز الحكمة والعلم، إنها دعوة للعودة إلى الجذور، والتذكير بأن المعرفة كانت وستظل أساس الحضارة، وأن الكلمة المكتوبة قادرة على عبور الزمن وصناعة الخلود.