ثم خرج معى من الباب وسار قرابة 10 أمتار لأقرب ناصية طريق وأشار لى بيده واصفا الفندق الذى اتضح أنه يبعد حوالى 4 دقائق فقط سيرا على الأقدام من مكانى، شكرته بالإنجليزية كثيرا وهممت بالانصراف، لكنه استوقفنى وطلب «ثمن المساعدة» !! مصر اختلفت كثيرا عن 20 عاما مضت.. الإنشاءات وحركة العمران الضخمة فى القاهرة تحديدا غيرت العديد من ملامح الشوارع والأحياء، قضت على الزحام الشديد فى بعض الأماكن وخاصة نواحى مدينة نصر والقاهرة الجديدة وأكتوبر والشيخ زايد، حتى توسعات الطريق الدائرى أعتقد أنها كانت مثمرة فى تخفيف الزحام اليومى على هذا الطريق الحيوى جدا، لكن قلب القاهرة فى وسط البلد وشبرا ومنطقة الإسعاف والتحرير والعتبة وجوارهم يحتاج المزيد من التنظيم والتنظيف والاهتمام، لا يزال يحمل على كاهله عبء سنوات طوال من النسيان أو الغفلة تركت آثارها محفورة على كل تفاصيل الشوارع وأعمدة الكبارى التى تفوح منها أحيانا روائح ليست لطيفة بالمرة، وما شارع الجلاء منا ببعيد !! السبت .. جدعنة المصريين لفت انتباهى شخص يسأل واحد من أصحاب محال الملابس فى وسط القاهرة عن عنوان فى المحيط، صاحب المحل الخمسينى - على أقل تقدير - ترك محله وسار بجوار السائل لمسافة أكثر من 50 مترا حتى يدله على الطريق الصحيح، الموقف استدعى فى ذاكرتى مشهدين أحدهما قريب و»مؤسف» لشاب صغير كان يجلس بجوارى فى مقهى وضلل شخصا كبير السن سأله عن عنوان أيضا لمجرد اللهو مع أصحابه الذين يجلسون بجواره على المقهى، ولحقت بالرجل وصححت له المعلومة التى قالها الشاب، وحزنت على حال بعض الشباب من الجيل الجديد! وهذا مؤشر خطير جدا لأن «جدعنة المصريين ولاد البلد» ربما كانت أكثر ما افتقدته خلال سنوات الغربة الطويلة خارج مصر. الأحد .. فى عاصمة الضباب المشهد الثانى الذى استدعته ذاكرتى فورا، كان فى لندن عام 2008 أول زيارة لعاصمة الضباب لتغطية فعاليات «سوق السفر العالمى» WTM ، كان الفندق فى ضاحية «بادنجتون» بوسط لندن والعنوان مكتوب على ورقة صغيرة، عندما وصلت إلى المطار نصحونى وحرصا على البعد عن الزحام بركوب القطار السريع من مطار هيثرو مباشرة إلى قلب لندن حيث محطة القطار الرئيسية وبجوارها الفندق المقصود، وفور الخروج من المحطة رفض سائقو التاكسى ركوبى معهم!!، لأن العنوان لم يكن مكتوبا بالدقة الكافية، وحينها اكتشفت أن كتابة العناوين فى الخارج بخلاف دولنا العربية تماما، إذ يتحتم ذكر المنطقة ثم «المربع السكنى بالرقم» فالشارع الرئيسى والفرعى ثم رقم البناية والشقة إن وجد، ولا داعى أبدا لذكر بجوار حلوانى كذا أو صيدلية كذا كما اعتدنا عند الوصف فى مصر، فهذا لن يجدى نفعا معهم. وبما أننى «غريب» والسماء فى لندن لا تتوقف عن الترحيب بضيوفها مطرا، اضطررت للسؤال اختصارا للوقت والجهد و»بهدلة» المطر، سألت اثنين أو ثلاثة لم يستطيعوا أو لم يرغبوا فى مساعدتى بكل «البرود الإنجليزى» الشهير، وبعدها قررت أن أسال فى فندق لأنهم بالتأكيد بعقليتى المصرية «هيعرفوا بعض»، دخلت أقرب فندق صادفنى وسألت موظف الاستعلامات، تناول من يدى الورقة واستعلم عن الفندق على جهاز الكمبيوتر أمامه، ثم خرج معى من باب الفندق وسار قرابة 10 أمتار لأقرب ناصية طريق وأشار لى بيده واصفا الفندق الذى اتضح أنه يبعد حوالى 4 دقائق سيرا على أقصى تقدير، شكرته بالإنجليزية كثيرا وهممت بالانصراف، لكنه استوقفنى وطلب «ثمن المساعدة» !! رغم ذهولى الشديد من الموقف أخرجت من جيبى 5 جنيهات استرلينية وأعطيتها له بكل أدب وكررت شكرى وانصرفت، لكننى استدعيت على الفور «جدعنة المصريين وشهامتهم» فى عشرات من هذه المواقف دون انتظار أى مقابل.. بل أحيانا يزيدون عن النصيحة بكثير من الوقت والكرم العربى الجميل. وقلت فى نفسى «احنا لما سائح بيسألنا لا نكتفى بالوصف، بل غالبا نذهب معه للعنوان حتى نطمئن إنه وصل للمكان الصحيح وغالبا نعزم عليه بأكل وشرب وسجاير لو بيدخن».. وتمتمت فى سرى «عمار يا مصر». الثلاثاء .. المربع الأصفر الطريق من البيت إلى عملى فى شارع الصحافة يأخذ بالسيارة من 9 إلى 10 دقائق فقط لا غير إذا كانت الأمور طيبة «مروريا».. فى هذا اليوم استغرق الطريق قرابة الساعة لأن شوارع شبرا فى غاية الازدحام ابتداء من النفق وحتى شارع الجلاء مرورا بشارع الترعة ثم شارع شبرا وجزيرة بدران والقللى، الزحام ليس له أى سبب واضح بخلاف سلوكيات السائقين والناس والتكاتك!! بعض السائقين فى مصر يعرفون قوانين المرور لكنهم يستسهلون المخالفة أو يعتبرونها «شطارة» وتميزا، والبعض الأخر ربما لا يعرفها أصلا .. لا توجد حارات مرورية فى أغلب الشوارع، قليلون جدا من السائقين فى مصر من يعلمون عن شىء اسمه «المربع الأصفر» الذى ينظم أولوية المرور فى التقاطعات باحترام وأدمية، المربع الأصفر لا يسمح لك بالمرور حتى لو إشارتك خضراء إلا لو كان طريقك «سالكا» حتى لا تعطل اتجاهات السير الأخرى عندما تتحول إشارتهم لخضراء وإشارتك لحمراء، باختصار هو مربع مرورى تتجاوزه فقط ولا يسمح لك نهائيا بالوقوف عليه، ولم أره مطلقا فى شوارع القاهرة! المشاة لهم نصيب وافر من الفوضى المرورية فهم لا ينتظرون دورهم فى عبور الإشارات!! فى أغلب الأحوال لا أحد من المشاة ينتظر، الغالبية يلقون بأنفسهم فى الشارع ومن كل النقاط على جانبى الطريق فى مشهد تحدٍ عجيب للسيارات وللأوتوبيسات والميكروباصات، وللحياة نفسها، لا توجد نقطة واضحة لمرور البشر وإن وجدت لا أحد يلتزم بها، فوضى عبور المشاة تعوق سيولة المرور وانسيابه لأن سائقى السيارات يضطرون للوقوف فجأة لأن هناك من يعوق تقدمهم كل ثانية !! الجميع يرى أنه على حق ولا أحد يخطئ أبدا. الأربعاء.. تكاتك يأجوج ومأجوج فى القاهرة «التكاتك» من كل حدب وصوب ينسلون.. الأرض تنشق عنهم فجأة فى مشهد عبثى يستدعى للأذهان عشوائية قوم «يأجوج ومأجوج» فى نهاية الزمان، لا يكتفون بالسير بل يحولون اتجاهاتهم بغتة يمينا ويسارا، أحيانا تتسابق فى عز هذا الزحام الشديد أو يتبادل سائقيها السجائر وأكواب الشاى، الأوتوبيسات والميكروباص تتوقف لنزول أو صعود الركاب فى أى منطقة بالشارع من أقصى الشمال لأقصى اليمين، المشهد المرورى فى القاهرة عبثى وجنونى بامتياز لم أر مثيلا له فى حياتى إلا فى الهندوتايلاند!! فى الهند وقفنا مرة بالسيارة فى مدينة كوتشين لساعة تقريبا لأن بقرة «تمددت» فى وسط الشارع وأغلقت حارة ونصفا تقريبا من الطريق الذى لا يتسع أصلا إلا لحارتين!! والبقر مقدس فى الهند يفعل ما يحلو له، وإياك أن تتذمر! ، تحركنا ببط ء شديد «سيارة بسيارة» فى المساحة المتاحة بجوار البقرة، والجميع حريص على ألا يمسها، حتى حصلت على «قيلولتها» وانصرفت فى سلام. فى بانكوك عاصمة تايلاند «المرور سيريالى» المشهد بامتياز «رمسيسى» التنظيم، أشبه بأغنية مهرجانات مزعجة، يشبه أحيانا الحالة المرورية فى العتبة أو الحسين أو ميدان الجيزة فى موسم الجامعة، ويزيد على المشهد كم هائل من الدراجات النارية التى تستخدم كوسيلة مواصلات خاصة بأجر للموظفين هربا من الزحام.. أتذكر فى إحدى زياراتى لبانكوك وقد سعدت بزيارتها كثيرا، كان موعد طائرتى فى العاشرة مساء ومطار بانكوك من المطارات الجميلة المسلية المتخمة بكل أصناف المحلات والشوبنج، قررت ألا أمدد بقائى فى الفندق والذهاب مبكرا للمطار وقضاء بعض الوقت هناك للتسوق، غادرت من الفندق فى الثانية بعد الظهر على أمل الوصول فى الرابعة على أقصى تقدير قبل موعد الطائرة بساعات، الطريق كان مزدحما تماما وعشوائيا لدرجة الجنون، حتى أننى وصلت بعد ست ساعات كاملة، وكدت أجن أن تفوتنى الطائرة وأنا متحرك قبل الموعد بثمانى ساعات كاملة !!