تمثل هذه الليلة وقفة للتأمل، كشف حساب أقدمه لنفسى، وليس لأى أحد. أحاول أن أجمع فيه ما أنجزته وما لم أنجزه خلال عام كامل نودع اليوم عام 2025، ونستعد لاستقبال عام جديد 2026. اللحظات الفاصلة فى الزمن تجعلنا ننظر نظرة خاطفة على ما حدث خلال اثنى عشر شهرًا مضت، ولن تعود، كما تدفعنا لنظرة أخرى مشحونة بكثير من الأمل والترقب لعام يهل علينا، وندعو الله أن يكون أرحم بنا، وأكرم من سابقيه. فى ليلة رأس السنة نعيش أجواء البهجة، احتفالات، ألعاب نارية، وزينة الشوارع، كلها تعكس تمسك الإنسان دومًا بالأمل، وبأن الغد سيكون أفضل من اليوم. بالنسبة لى تمثل هذه الليلة وقفة للتأمل، كشف حساب أقدمه لنفسى، وليس لأى أحد. أحاول أن أجمع فيه ما أنجزته وما لم أنجزه خلال عام كامل. لا أعنى الإنجاز العملى وحده، بل الإنجاز بمعناه الأشمل، الأشياء التى تجعلنى أشعر بالرضا، والامتنان للخالق الأعظم لأنه منحنى القدرة، وفتح لى الطريق بتوفيقه وعظمته لكى أكون هذا الإنسان الذى أحبه. الحمد لله، الذى أحمده كثيرًا، ولا أكف عن حمده، كانت 2025 سنة هادئة، بالنسبة لى ولأسرتى الصغيرة، والكبيرة، كذلك بالنسبة لبلدى الحبيبة مصر. بالطبع لم تخل من مطبات قوية، فالحياة هى مجموعة اختبارات، ابتلاءات، أزمات، لكنها عبرت دون خسائر موجعة وهذا هو الأهم. فى عملى الإنسانى الذى اعتبره أكبر وأعظم هبة من الله لى، أنجزت مع فريق عمل جمعية أطفال السجينات الكثير من العمل الذى يمكث فى الأرض، ويمتد أثره إلى السماء. سيدات الجمعية المكافحات أنتجن الكثير من الأعمال اليدوية التى أصبحت معروفة ومطلوبة من محبى الهاند ميد، ومحبى الخير فى آن معًا. شاركنا فى معارض كبيرة تتبع وزارة التضامن الاجتماعى وأهمها «ديارنا». وكذلك معرض «تراثنا» التابع لهيئة تنمية المشروعات وبنك الإسكندرية. كورال الأطفال من أجمل الأنشطة التى أحبها، استمتع جدًا بالاستماع إلى الموسيقار أحمد عيسى وهو يقوم بتدريب وقيادة كورال الأطفال بالجمعية. فراشات مغردة، مجموعة من البنات الصغيرات، فى أصواتهن نبرة إحساس تملك قلبك، وطبقة شجن تخطف مشاعرك. استطعنا أن نفك كرب عشر سيدات من الغارمات اللاتى تعثرن فى سداد ديون تراكمت عليهن فقط بسبب الفقر، وقلة الحيلة، وألحقناهن ببرنامج تمكين المرأة فى الجمعية لتدريبهن وتشغيلهن فى ورشة (حياة جديدة). الكتابة.. العشق والشغف ربما يكون إنجازى الإنسانى هو الأهم بين الكثير من الأشياء التى أمارسها بحب وشغف وأهمها الكتابة. لذلك يسعدنى أن أعلن هنا لقرائى الأحباء، فى يومياتى بجريدتى الحبيبة «الأخبار» عن صدور كتابى الجديد الذى سوف يصدر فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026. الكتاب هو الثالث فى سلسلة تضم تجاربى الصحفية والإنسانية على مدى مشوارى الطويل مع الكتابة، والقلم، ومعظم تلك التجارب جرت أحداثها فى بيتى الثانى «الأخبار» البيت الذى كبرت وتعلمت كل شىء فيه، منذ كنت طالبة بكلية الإعلام قسم صحافة فى جامعة القاهرة، وحتى الآن. الكتاب الجديد عنوانه «يا مسافر وحدك» وكما هو واضح من عنوانه يضم أهم تجاربى فى السفر، لا أتحدث فيه عن البلاد التى زرتها بعين سائحة فحسب، بل أحكى التجربة الإنسانية وكواليس كل رحلة، كيف جاءت، وماذا تعلمت منها؟ ما هى المصاعب التى قابلتنى، وما هى المكاسب؟ ما هو الأثر النفسى والفكرى الذى خلفته كل رحلة داخلى، وكيف غيرت تجارب السفر العديدة، والمختلفة جدًا من طريقة تفكيرى ورؤيتى لكل شيء فى الحياة؟. هذا باختصار أهم غنائمى من العام المنقضى، صحيح أننى تعرضت لوعكة صحية شديدة فى مارس الماضى، وبالتحديد فى النصف الثانى من شهر رمضان الكريم، لكننى لن أتحدث عنها، لأنها عبرت بفضل الله، والآن أنا بخير. أفضل الحديث عن الأشياء المبهجة التى تبث الأمل، ولا أميل للشكوى، أو الاستغراق فى الحزن واستدعاء الآلام، هذا فضل آخر من أفضال الله الكثيرة علىّ. رواق البغدادية والآن أود الخروج قليلًا من دائرة ال «أنا» إلى دائرة «نحن». واستعرض أحد الكتب الجميلة التى تترك شيئًا عميقًا، وباقيًا فى القلب والعقل. رواية تأخرت فى قراءتها، لكننى قرأتها أخيرًا، وكم كانت ممتعة، غنية بالمعنى والإحساس. عنوانها «رواق البغدادية» للأديب د. أسامة السعيد. فى هذه الرواية لا يستدعى د. أسامة السعيد التاريخ حكايات من زمن بعيد، ولا يريد أن يشبع داخلنا النستولوجيا، أو الحنين إلى الأزمنة القديمة، بل هو يمارس لعبة سردية ذكية مقصودة وجريئة أيضًا. يبنى سرده الروائى على حكايتين متوازيتين، إحداهما تدور أحداثها فى مصر أثناء المخاض السياسى قبل أحداث 2011 وبالتحديد فى فبراير 2010، والثانية تدور أحداثها فى مطلع القرن الرابع عشر الميلادى أثناء العصر المملوكى، تتقاطع الحكايتان فى الكثير من المواقف المتشابهة رغم الفارق الزمنى الكبير بينهما (حوالى سبعة قرون)، لكن الأديب الذى يقبض جيدًا على مفاتيح نصه، لم يفلت منه الخيط رغم التنقل المتكرر فى الربط بين الأحداث التى تجرى بالتوازى فى الحكايتين، وعلى مدى فصول الرواية الثلاثة والخمسين، لم أشعر كقارئة بالارتباك أو التشتت فى أى لحظة. هذا التوازى الزمنى لا يأتى على سبيل الاستعراض الفنى، بل كخيار فكرى يهدف إلى كشف آليات القهر المتكررة، خاصة تلك التى تستهدف المرأة، باعتبارها الحلقة الأضعف فى كل زمان ومكان. فى الحكاية التاريخية، نتعرف على فرح خوند، المرأة التى تُودَع فى «رواق البغدادية» بلا ذنب ولا خطيئة، بل كانت هى الضحية التى تعرضت لأقسى موقف يمكن أن تعيشه امرأة، قتلوا زوجها، وخطفوا رضيعها فى نفس اللحظة، ثم ألقوا بها فى رواق البغدادية، وهو مكان مخصص لعزل المطلقات والأرامل، وكأن المجتمع يقرر نفيهن اجتماعيًا لا لذنب ارتكبنه، بل لكونهن خرجن عن النسق المقبول. الرواق هنا لا يُقدم كمكان، بل كرمز لمنظومة كاملة ترى فى المرأة خطرًا ينبغى احتواؤه أو إخفاؤه. فرح خوند، بطلة الحكاية التاريخية، من العصر المملوكى، ليست شخصية ثائرة بالمعنى التقليدى، ولا ترفع شعارات أو تخوض معارك مباشرة، بل تكمن قوتها فى صمتها، وفى وعيها التلقائى بما يحدث حولها. نجدها تواجه الانكسارات المتكررة فى حياتها بصبر لا حدود له، فى انتظار أمل لا يأتى. شخصية إنسانية تشبه نساء كثيرات لم يكتب التاريخ أسماءهن. فى الحكاية العصرية تظهر ريم عبد المنعم على الخط الموازى، باحثة فى الآثار، تقودها دراستها وتبحرها فى التاريخ القديم، وبالتحديد العصر المملوكى إلى مواجهة أسئلتها الخاصة. ريم تمتلك تعليمًا عاليًا، ومكانة اجتماعية، وحرية حركة نسبية، لكنها تكتشف أن القهر لم يختف، بل صار أكثر دهاء. لم تعد المرأة تُحبس فى رواق، لكنها تُحاصر بالضغوط، والقمع الذكورى، والأحكام المسبقة، والتقاليد الرجعية القاتلة للحياة. التشابه فى الظروف بين فرح وريم يعكس حقيقة أن المجتمع لم يحسم علاقته بالمرأة بعد. سبعة قرون تفصل بين الشخصيتين، لكن الأسئلة واحدة، والنتائج متقاربة. على المستوى الفنى، نجح أسامة السعيد فى الحفاظ على تماسك السرد بين الزمنين دون أن يفقد القارئ خيط الحكاية بلغة جميلة، تدفق فى الحكى، وصف متقن لتفاصيل الأحداث، رسم رائع للشخصيات، صور مشحونة بالخيال، بسيطة، وتترك مساحة للتأمل. أعترف أننى بعد الانتهاء من قراءة الرواية أعدت اكتشاف أسامة السعيد، وأدركت أن جانبًا حقيقيًا ومهمًا جدًا فى شخصيته لم أكن أعرفه، وهو الأديب الحقيقى. كنت أعرفه صحفيًا محترفًا، يملك الأدوات والمهارات الصحفية فى أعلى مستوياتها، ثم جاء هذا الاكتشاف الجميل الذى أعطانى الأمل أن هناك بين الأجيال الشابة (أدباء صحفيين) كما كان فى جيل رواد الصحافة مصطفى أمين، محمد التابعى، موسى صبرى، فتحى غانم، صلاح حافظ. ولا غرابة فى أن تفوز هذه الرواية الفاتنة بالمركز الأول لجائزة الشارقة للإبداع عام 2015. أحزان 2025 أبى عام 2025 أن يودعنا دون أن يحفر فى قلوبنا نفقًا عميقًا من الحزن على فقدان قامة فنية رفيعة، وإنسان من أنقى الشخصيات التى التقيتها فى حياتى، المخرج والكاتب القدير داوود عبدالسيد، كان من مدرسة المخرج المؤلف، ترك لنا روائع الأفلام: الصعاليك، الكيت كات، أرض الخوف، سارق الفرح، مواطن ومخبر وحرامى، رسائل البحر. إلى جانب عددٍ من الأفلام التسجيلية. تتلمذ داوود على يد المخرج يوسف شاهين، لكنه لم يقلده، بل كانت له بصمته الخاصة وشخصيته الفنية المتفردة. رحم الله الفنان القدير الذى أبدع فنًا حقيقيًا غنيًا يبقى عابرًا للأجيال، مخلدًا لفنان مصرى حظى بحب الملايين، وكانت جنازته، وليلة عزائه خير دليل على ذلك.