بعد ساعات يبتلع العام آخر شموسه، وهى مناسبة جيدة لفتح حقيبة الأمنيات، والحلم بسنة أكثر لُطفا بنا. إنه روتين موسمى صار يتراجع كلما تقدمنا فى السن، لأن طاقة إفراز الأحلام تتناسب عكسيا مع العمر. قبل أيام وقفتُ فى محطة كاشفة، تُوثق لأعوامٍ تسربت من أعمارنا، فرغم بهجة اللقاء مع المخرج الكبير خالد جلال، إلا أن حديث الذكريات جعلنى أكتشف أن حوارنا الشخصى، يعود بنا لنحو أربعين سنة مضت! تزاملنا فى كلية التجارة بجامعة القاهرة. أدمنتُ الكتابة بينما عشق هو المسرح، ولفت أنظار الطلاب إليه، فى أول دور لعبه على خشبة مسرح الكلية، وقتما كان منحازا للتمثيل قبل أن يُخلص للإخراج والتدريب. جمع بيننا حب الإبداع وفرّقتنا السنون، غير أننى ظللتُ متابعا لإنجازاته عن بُعد، بينما يتفاخر أصدقاء آخرون بأنهم ينتمون إلى نفس دفعته، عندما يلمع أحد عروضه المسرحية. سنواتٌ طويلة لجأ فيها مبدعون زاملونا إلى مساحات الظل، تحت وطأة دوامات الحياة أو تحولات القناعات، التى أفقدتْنا مواهب بالغة التميز فى التمثيل والغناء، فضلا عن لحظات تردد أو سوء اختيار، أهدرت إمكانات زملاء آخرين قرروا الاستمرار فى المسيرة. عندما أراجع مشروع خالد جلال تنتابنى مشاعر متناقضة: إحساس بالفخر لأنه ينتمى بمنجزه المتميز لجيلنا، وشعور بالحزن على سنوات عُمْر يُلملم أوراقه، حتى أن أصدقاء كثيرين رحلوا إلى السماء، ورغم حفنة إحباطات لا ينتابنى الندم، فقد نال كلٌ منا -نحن أبناء الجيل- نصيبه من البهجة، حتى لو كانت بهجة متقطعة، غير أنها قدمت لنا جرعة كافية لكبح جماح اليأس.. نسبيا. خلال لقائى شبه اليومى مع الكاتب الكبير أسامة عجاج، حدثنى قبل يومين عن نزلاء الطابق المسحور من أبناء جيله، فعلّقت بأن العالقين فى هذا الدور ممن هم فى عمرى أكثر عددا بكثير، وأن من فكوا شفرة سحره فئة قليلة، استطاع أصحابها الصعود إلى طوابق النور المرئية. إنها مجرد فضفضة مصاحبة للعام الجديد، تليق بمن تفتح الستين أحضانها لهم، وكل سنة وأنتم طيبون.