في شوارع البدرشين، حيث يعرف الجميع بعضهم بالاسم والسمعة، لم يكن "سامح سعد" مجرد سائق أتوبيس يقطع الطريق ذهاباً وإياباً بين القرى؛ كان يُعرف ب "صاحب الابتسامة الهادئة" و "الرجل الذي لا يرفض طلباً". لكن يوم الحادث، لم يكتفِ سامح بتقديم مساعدة عابرة، بل قدّم "صك البطولة" الأخير موقعاً بدمه وحياته. اقرأ أيضاً| انتشال 3 مصابين في حادث سقوط سيارة ميكروباص داخل ترعة المريوطية حياة قوامها "الجدعنة" سامح، الشاب الذي أفنى سنوات عمره خلف مقود الأتوبيس بحثاً عن لقمة عيش حلال، كان يمثل نموذجاً "للشقيان" الذي لم تزدحمه مشاق الحياة بالقسوة. يحكي زملاؤه في المهنة عن "أبو أمانة" (كما كان يلقبه البعض) أنه كان دائماً أول من يتوقف على جانبي الطريق لإصلاح عطل بمركبة زميل، أو لنقل مسنٍّ تعثر في مشيته دون مقابل. كانت "الجدعنة" بالنسبة له ليست فعلاً عارضاً، بل دستور حياة. اللحظة الفارقة: لماذا لم يتردد؟ عندما سقط الميكروباص في ترعة المريوطية، كانت الحسابات المنطقية تفرض عليه الانتظار أو الاتصال بالإسعاف، لكن "فطرة البطل" بداخله ألغت كل احتمالات النجاة الشخصية. يروي جيرانه أن شهامته كانت دائماً تسبق تفكيره. في تلك اللحظة، لم يرَ سامح مياهاً ملوثة أو تياراً جارفا؛ رأى فقط "أرواحاً تستغيث"، فقرر أن يخلع قميصه ويترك أتوبيسه أمانة في الطريق، ليذهب هو لملاقاة ربه في أشرف معركة إنسانية. رحيل "الخلوق".. الحزن يكتسي بالبياض لم تكن جنازة سامح مجرد توديع لجثمان، بل كانت تظاهرة في حب "الشهامة". جيران البطل في قريته يتحدثون عن صدمة رحيله، لكنهم في الوقت ذاته يشعرون ب "فخر مرير". يقول أحد أقاربه: "سامح عاش طيباً ومات بطلاً.. كان دائماً يقول إن العمر واحد والرب واحد، ولم نكن نتخيل أن شجاعته ستأخذه منا بهذه السرعة". إرث خلفته الدماء ترك سامح خلفه سيرة عطرة، ودرساً قاسياً في التضحية، ليصبح اسمه محفوراً في ذاكرة البدرشين كأيقونة ل "الشهيد الذي قتله إيثاره" رحل سامح، لكن قصته في ترعة المريوطية ستظل تُحكى للأجيال؛ عن السائق الذي لم يمر مرور الكرام، بل توقف ليصنع فارقاً، دفع حياته ثمناً له، ليبقى ذكره حياً في قلوب كل من عرفوه ومن لم يعرفوه.