مريم الزرعوني ليست الثقافة قطاعًا معزولًا، أو احتفالًا موسميًّا يُطوى ويركن إلى الزوايا، إنّه مشروع دولة تُعيد تشكيل علاقتها بالمعرفة وتنتقل من ثقافة الفعاليات إلى ثقافة السياسات، وفق رؤية متكاملة تبدأ منذ إطلاق السمة «الثيمة» التي تعتمدها الدولة للسنة، فعام 2025 هو عام المجتمع، وقد كان بكل ما تتسع له الكلمة من تمثّلات بدا في هذا العام، السؤال الثقافي امتدادًا للأسئلة الكبرى التي تشغل العالم: الهوية، المعرفة، العولمة، التكنولوجيا، الذاكرة، واللغة العربية في زمن تذوب فيه الحدود، وتصبح المفاهيم سائلة تتماوج وتوشك أن تتداخل، لتأتي هنا الفنون والآداب متضافرة في تشكيل المشهد الثقافي الذي يثري المتلقّي ويخدمه في الوصول إلى مفاتيح تصله بما يبحث عنه. يكشف عام 2025 تحوّلًا مهمًا، فلم تعد المؤسسات الثقافية منصّات لتنظيم الفعاليات وانتقلت إلى إنتاج المعرفة فعلى سبيل المثال لا الحصر، تقيم وزارة الثقافة شراكات مهمة مع مؤسسات ثقافية أخرى مثل اتحاد الكتّاب، بهدف دعم النشر في الدولة، كما تنشئ شراكات باستكتاب أعضاء الاتحاد في مشاريع أدبية وطنية، مكرّسة للتراث والهوية. من جانب آخر تزدهر معارض الكتب في إمارة أبو ظبي تحت إدارة مركز أبو ظبي للغة العربية، فيقام مهرجان العين للكتاب في مدينة العين ومهرجان الظفرة في المنطقة الغربية، بالإضافة إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب، والثابت في موعده. وإلى جانب الكتاب، تأتي العناية بالكُتّاب، فثمة برامج متنوعة بين الإقامات الأدبية للمشاريع الكتابية الإبداعية، التي تنظمها هيئة الشارقة للكتاب، وورشات الكتابة المختصّة في أجناس بعينها، في كل من مركز أبو ظبي للغة العربية، وهيئة الثقافة في دبي، جانب مراكز بحثية ومعاهد متخصصة إن تلك المؤسسات تعمل ضمن سياسات واضحة، تركز على الاستدامة، وبناء الكفاءات، وتعزيز المحتوى الثقافي العربي. إعادة تموضع الأدب الإماراتي انعكس ذلك كله على الأدب الإماراتي وأعاد تموضعه في الخارطة الأدبية العالمية، لنبدأ مع السّرد، حيث تتصدر الرواية قائمة الأجناس الأكثر مقروئية، لنشهد صعود رواية « ملمس الضوء» لنادية النجار، إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية، كما وصلت ريم الكمالي إلى القائمة القصيرة لجائزة بريكس الأدبية، وتواصل جائزة غانم غباش للقصة القصيرة، اكتشاف المواهب الإبداعية الإماراتية، لعامها الثاني، بعد توقف امتد لسنوات، كما استحدثت فرعا للمجموعات القصصية. وأخيرًا لم يغب المقال عن المشهد، فقد استحدث نادي دبي للصحافة جائزة المقال الإماراتي، الذي عقدت دورته الأولى هذا العام. أما الشعر فقد حصد جائزة الجمل الفضي، الشعراء شيخة المطيري وعلي الشعالي وسعد جمعة وأمل السهلاوي، في مهرجان طريق الحرير الدولي للشعر، وحصل ديوان «لم يعد أمرًا ذا أهمية» لمريم الزرعوني على جائزة «إسكريديويندي» كأفضل كتاب مترجم إلى الإسبانية، في معرض مدريد الدولي للكتاب. عند الحديث عن الثقافة، لا يكتمل المشهد إلا بالتعريج على الفنون بأنواعها، وعلى رأسها المسرح والفنون البصرية، يكاد لا يمرّ شهر دون مهرجان أو ملتقى مسرحي في كل من دبي والشارقة أو توابعها في المناطق الوسطى والغربية، حيث يشغل المسرح مكانة متميّزة، وبشكل خاص عند صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، الذي بلغ به الشغف بهذا الفن أن جعل إمارة الشارقة أشبه بالمختبر الفني المفتوح، فصارت بعض المهرجانات تقام على مساحات مفتوحة بلا خشبة، مثل مهرجان المسرح الصحراوي، كما أنشئت مؤخرًا جامعة الفنون في الشارقة، التي تترأسها الشيخة حور القاسمي. وفي خضم الزخم الثقافي المحتشد في هذا العام، يتوّج متاحف الدولة افتتاح متحفيّ الشيخ زايد، والتاريخ الطبيعي في أبوظبي، اللّذين باشرا أعمالهما البحثية ومشاريعهما العلمية، عبر فرق مختصّة قبل افتتاحهما الرسمي بأكثر من عام، وجاء الافتتاح في ديسمبر 2025. تنوع الإنتاج الأدبي أصبح التكامل المتزايد بين الثقافة والاقتصاد من السمات البارزة للمشهد الثقافي الإماراتي في 2025. فالثقافة تُعد اليوم أحد مكونات التنمية المستدامة، وتدخل ضمن استراتيجيات الدولة في مجالات السياحة، والتعليم، والاقتصاد الإبداعي، ودعم المشاريع الثقافية الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الصناعات الإبداعية، يتجلى ذلك في الوجهات المستحدثة والمتزايد في كل عام، وآخرها المنطقة الإبداعية في الشارقة، التي تعمل هي وأمثالها على تعزيز حضور الثقافة في التخطيط الحضري وجودة الحياة في المدن. يمكن القول إن المشهد الثقافي في الإمارات عام 2025 يتميز بوضوح الرؤية وتعدد المسارات، مع حضور مؤسسي قوي، وتنوع في الإنتاج الأدبي والفني، واهتمام متزايد باللغة العربية. إنّه مشهد يراهن على الاستدامة، ويواجه تحدياته عبر التخطيط، وبناء الشراكات، والاستثمار في المعرفة، ما يجعله نموذجًا ثقافيًا يتجاوز الإطار المحلي إلى فضاء أوسع.